فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرابع: معنى التفنُّن في العلوم.
كثيرًا ما تستوقفنا كلمة (المُتَفَنِّنْ) في كتب التراجم و السِّيَر، و يخالجنا فيها معانٍ لها كِثار، منها الصائب و أكثره بعيد النَّجْعَةِ.
و أصلُ المعاني التي تخالجنا صحيح، لكن الحقيقة هي الغائبة.
فحقيقةُ (التَّفنُّن) في العلم هي: (الوقوفُ على كُلِّياتِه التي تشتملُ على جميع أجزائه بالقوة) (2) .
الخامس: القَدْرُ المطلوب في (التفنُّن) .
ليس المرادُ بـ (التَّفَنُّن) إلا ما بينه (مسكويه) في كلامه الآنف، و لكن ما القدرُ الذي به يكون تحصيلُ (التَّفَنُّن) في تلك العلوم.
أبانَ عنه (حاجِّي خليفة) فقال _ لما عَدَّدَ شرائط التَّحْصِيْل _: (و منها: أن لا يَدَعَ فنًا من فنون العلم إلا و نظرَ فيه نظرًَا يَطَّلِعُ به على غايته و مقصده و طريقته) (3) .
و خلاصةُ التفنُّن في أمرين:
الأول: معرفةُ مفتاحِ الفن، و ذلك من خلال:
1.المباديءِ العشرة.
2.مدارسه.
3.رجاله.
4.كتبه.
5.مصطلحاته.
الثاني: مدخل الفن، و يكون بمعرفة كبرى مسائله، و أشهر أبوابه.
النَّقِيْصَةُ الثَّانِيَةُ
ضَعْفُ المَيْلِ إلى الابْتِكار
هذه النَّقِيْصةُ من أشهر ما وُجِدَ بين طلاب العلوم، و للأسف أنه لا يجهل أحدٌ قدرها، و لكن ليس كلاًّ موفقًا لها.
و الابتكار هو الإبداع، و معناهما واحد.
و الإبداع من أنفسِ مناقب الذكي، و من أجلِّ محامده.
و الإبداع أو الابتكارُ سيكون الكلام فيه في نواحٍ عِدَّة:
الأولى: معنى الابتكار.
الابتكار له معنيان:
الأول: ابتداع شيءٍ غير مسبوق إليه، و المعنى _ أشد إيضاحًا _ هو: الاختراعُ لشيء جديد لم يُسْبَقْ إليه.
و من أمثلةِ ذلك علمُ أصولِ الفقه، فإن الذي اخترعه كعلمٍ مُفْرَدٍ هو الإمام الشافعي (4) .
و من ذلك أصول الشَّعْرِ و عروضه فإن مُخترِعَهُ هو الخليل بن أحمد الفراهيدي.
و المعنى الثاني: التجديد لعلم اندَرَسَ، و التجديد له بالتذكير به.
و يَظْهرُ من خلال التعريف له دِقَّته و عِزَّتُه.
الثانية: هل الإبداعُ جِبلِّي أم اكتسابي؟
يميلُ كثيرٌ من الناس إلى أن الإبداع يأتي مخلوقًا مع الإنسان، فلا يوجد مبدع إلا وهو مخلوق فيه الإبداع.
و من لم يكن كذلك فليس أهلًا لأن يكون مُبْدِعًَا.
و هذه نظرة آفنة، و رؤية خاطئة، و إبطالها من أوجه:
الأول: أن الإبتكار من نتائج العلم، و ثمار المعرفة، و العلم و المعرفة مكتسبان.
الثاني: أن بالمجاهدة يكون تحصيلُ المراد، و لنا فيه قولِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما العلمُ بالتعلُّم، و إنما الحلمُ بالتحلُّم".
الثالث: أنَّ حُبَّ التميُّز موجود في النفسِ البشرية، و لكن من الناسِ من يُخفيه، و منهم من يُبديه، و الإبداع و الإبتكارُ من التميُّز الكامن في خفايا النفس.
الثالثة: أهميَّةُ الإبداع.
الكلامُ عن أهميَّةِ الإبداع و (الابتكار) من ثلاثة جوانب:
الأول: ما سبقَ أن قُرِّرَ في معناه تظهرُ أهميته.
الثاني: الفضائل الواردة في العلم تنطبق عليه إذ هو مرتبةٌ من العلم.
الثالث: مرتبةُ الإبداع مرتبةٌ عاليةٌ لا يَصِلُها إلا الخُلَّصُ من الرجال المؤهلين لها.
الرابعة: الطُرُقُ المُوْصِلَةُ إلى الإبداع.
لـ (الإبداع) طُرُقٌ تُوْصِلُ إليه، و لا يَتأتَّى الوصولُ إلى (الإبداع) إلا بها و من خلالها:
الطريقُ الأولى: الآلة التي بها الإدراك و التحصيلُ، و هي: (العقل) .
و هذه الآلة شيئان:
الأول: الحفظُ.
الثاني: الفهم.
يقولُ ابنُ تيمية _ رحمه الله _"اقتضاء" (1/ 160) : (العلم له مبدأ وهو قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم) .
الطريقُ الثانية: استيعابُ المسائل التي تُوْصِلُ إلى الإبداع.
فإن (الإبداع) في أي فنٍّ لا يكون الوصول إليه إلا بعد أن يَسْتَوعِبَ الشخصُ أصول و مسائل ذاك الفن.
و معلومٌ أنه لا يكون (الإبداع) إلا على أصولٍ من العلم يُعْتَمَدُ عليها عند أهل الفن و العلم.
و خاطئةٌ طريقةُ البعضِ حين يدَّعي (الإبداع) في علمٍ من العلوم و هو لم يَسْتَوْعِبْ مسائله، بل أصول العلم.
الطريقُ الثَّالثةُ: مَعْرِفَةُ حقيقةُ (الإبداع) .
و قد سبقَ تقريرُ ذلك فيما مضى.
الخامِسَةُ: أخلاقياتُ (الإبداع) .
(يُتْبَعُ)