فهرس الكتاب

الصفحة 14986 من 20085

الرابع: معنى التفنُّن في العلوم.

كثيرًا ما تستوقفنا كلمة (المُتَفَنِّنْ) في كتب التراجم و السِّيَر، و يخالجنا فيها معانٍ لها كِثار، منها الصائب و أكثره بعيد النَّجْعَةِ.

و أصلُ المعاني التي تخالجنا صحيح، لكن الحقيقة هي الغائبة.

فحقيقةُ (التَّفنُّن) في العلم هي: (الوقوفُ على كُلِّياتِه التي تشتملُ على جميع أجزائه بالقوة) (2) .

الخامس: القَدْرُ المطلوب في (التفنُّن) .

ليس المرادُ بـ (التَّفَنُّن) إلا ما بينه (مسكويه) في كلامه الآنف، و لكن ما القدرُ الذي به يكون تحصيلُ (التَّفَنُّن) في تلك العلوم.

أبانَ عنه (حاجِّي خليفة) فقال _ لما عَدَّدَ شرائط التَّحْصِيْل _: (و منها: أن لا يَدَعَ فنًا من فنون العلم إلا و نظرَ فيه نظرًَا يَطَّلِعُ به على غايته و مقصده و طريقته) (3) .

و خلاصةُ التفنُّن في أمرين:

الأول: معرفةُ مفتاحِ الفن، و ذلك من خلال:

1.المباديءِ العشرة.

2.مدارسه.

3.رجاله.

4.كتبه.

5.مصطلحاته.

الثاني: مدخل الفن، و يكون بمعرفة كبرى مسائله، و أشهر أبوابه.

النَّقِيْصَةُ الثَّانِيَةُ

ضَعْفُ المَيْلِ إلى الابْتِكار

هذه النَّقِيْصةُ من أشهر ما وُجِدَ بين طلاب العلوم، و للأسف أنه لا يجهل أحدٌ قدرها، و لكن ليس كلاًّ موفقًا لها.

و الابتكار هو الإبداع، و معناهما واحد.

و الإبداع من أنفسِ مناقب الذكي، و من أجلِّ محامده.

و الإبداع أو الابتكارُ سيكون الكلام فيه في نواحٍ عِدَّة:

الأولى: معنى الابتكار.

الابتكار له معنيان:

الأول: ابتداع شيءٍ غير مسبوق إليه، و المعنى _ أشد إيضاحًا _ هو: الاختراعُ لشيء جديد لم يُسْبَقْ إليه.

و من أمثلةِ ذلك علمُ أصولِ الفقه، فإن الذي اخترعه كعلمٍ مُفْرَدٍ هو الإمام الشافعي (4) .

و من ذلك أصول الشَّعْرِ و عروضه فإن مُخترِعَهُ هو الخليل بن أحمد الفراهيدي.

و المعنى الثاني: التجديد لعلم اندَرَسَ، و التجديد له بالتذكير به.

و يَظْهرُ من خلال التعريف له دِقَّته و عِزَّتُه.

الثانية: هل الإبداعُ جِبلِّي أم اكتسابي؟

يميلُ كثيرٌ من الناس إلى أن الإبداع يأتي مخلوقًا مع الإنسان، فلا يوجد مبدع إلا وهو مخلوق فيه الإبداع.

و من لم يكن كذلك فليس أهلًا لأن يكون مُبْدِعًَا.

و هذه نظرة آفنة، و رؤية خاطئة، و إبطالها من أوجه:

الأول: أن الإبتكار من نتائج العلم، و ثمار المعرفة، و العلم و المعرفة مكتسبان.

الثاني: أن بالمجاهدة يكون تحصيلُ المراد، و لنا فيه قولِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما العلمُ بالتعلُّم، و إنما الحلمُ بالتحلُّم".

الثالث: أنَّ حُبَّ التميُّز موجود في النفسِ البشرية، و لكن من الناسِ من يُخفيه، و منهم من يُبديه، و الإبداع و الإبتكارُ من التميُّز الكامن في خفايا النفس.

الثالثة: أهميَّةُ الإبداع.

الكلامُ عن أهميَّةِ الإبداع و (الابتكار) من ثلاثة جوانب:

الأول: ما سبقَ أن قُرِّرَ في معناه تظهرُ أهميته.

الثاني: الفضائل الواردة في العلم تنطبق عليه إذ هو مرتبةٌ من العلم.

الثالث: مرتبةُ الإبداع مرتبةٌ عاليةٌ لا يَصِلُها إلا الخُلَّصُ من الرجال المؤهلين لها.

الرابعة: الطُرُقُ المُوْصِلَةُ إلى الإبداع.

لـ (الإبداع) طُرُقٌ تُوْصِلُ إليه، و لا يَتأتَّى الوصولُ إلى (الإبداع) إلا بها و من خلالها:

الطريقُ الأولى: الآلة التي بها الإدراك و التحصيلُ، و هي: (العقل) .

و هذه الآلة شيئان:

الأول: الحفظُ.

الثاني: الفهم.

يقولُ ابنُ تيمية _ رحمه الله _"اقتضاء" (1/ 160) : (العلم له مبدأ وهو قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم) .

الطريقُ الثانية: استيعابُ المسائل التي تُوْصِلُ إلى الإبداع.

فإن (الإبداع) في أي فنٍّ لا يكون الوصول إليه إلا بعد أن يَسْتَوعِبَ الشخصُ أصول و مسائل ذاك الفن.

و معلومٌ أنه لا يكون (الإبداع) إلا على أصولٍ من العلم يُعْتَمَدُ عليها عند أهل الفن و العلم.

و خاطئةٌ طريقةُ البعضِ حين يدَّعي (الإبداع) في علمٍ من العلوم و هو لم يَسْتَوْعِبْ مسائله، بل أصول العلم.

الطريقُ الثَّالثةُ: مَعْرِفَةُ حقيقةُ (الإبداع) .

و قد سبقَ تقريرُ ذلك فيما مضى.

الخامِسَةُ: أخلاقياتُ (الإبداع) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت