* وقال رحمه الله: (وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة، وهذا طريق أهل البدع) . انتهى.
* ومن الأدلة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان وعلى زيادته ونقصانه بها، قوله تعالى:
(( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) ) [الأنفال 2 - 4] .
وقوله تعالى: (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يحافِظُونَ ) ) [المؤمنون 1 - 9] .
وقوله الرسول صلى الله عليه وسلم (( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ).
* قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتاب الإيمان أيضًا: (وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دلَّ على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض ُُله) .
* وقال أيضًا: (بل كل مَنْ تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان، علم بالاضطرار أنه مُخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبًا كافرًا. ويعلم أنه لو قُدِّرَ أن قومًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نُؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونُقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نُطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي ولا نحج ولا نصدق الحديث ولا نؤدي الأمانة ولا نفي بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به. ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل مَنْ قدرنا عليه مِنْ أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضًا ونُقاتلك مع أعدائك. هل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأنتم أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار. بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك) انتهى.
* وقال أيضًا: (فلفظ الإيمان إذا أُطلق في القرآن والسنة يُراد به ما يراد بلفظ البر وبلفظ التقوى وبلفظ الدين كما تقدم. فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان. وكذلك لفظ البر يدخل فيه جميع ذلك إذا أُطلق، وكذلك لفظ التقوى، وكذلك الدين أو الإسلام. وكذلك رُوي أنهم سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية:(( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) ) [البقرة 177] . إلى أن قال: (والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا إيمان معه عمل، لا على إيمان خال عن عمل) .
فهذا كلام شيخ الإسلام في الإيمان، ومن نقل غير ذلك فهو كاذب عليه.
* وأما ما جاء في الحديث: أن قومًا يدخلون الجنة لم يعملوا خيرًا قط، فليس هو عامًا لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه. إنما هو خاص بأولئك لعُذر منعهم من العمل، أو لغير ذلك من المعاني التي تلائم النصوص المحكمة، وما أجمع عليه السلف الصالح في هذا الباب.
* هذا واللجنة الدائمة إذ تبيِّن ذلك فإنها تنهى وتحذر من الجدال في أصول العقيدة، لما يترتب على ذلك من المحاذير العظيمة، وتوصي بالرجوع في ذلك إلى كتب السلف الصالح وأئمة الدين، المبنية على الكتاب والسنة وأقوال السلف، وتحذر من الرجوع إلى المخالفة لذلك، وإلى الكتب الحديثة الصادرة عن أناس متعالمين، لم يأخذوا العلم عن أهله ومصادره الأصيلة. وقد اقتحموا القول في هذا الأصل العظيم من أصول الاعتقاد، وتبنوا مذهب المرجئة ونسبوه ظلمًا إلى أهل السنة والجماعة، ولبَّسوا بذلك على الناس، وعززوه عدوانًا بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وغيره من أئمة السلف بالنقول المبتورة، وبمتشابه القول وعدم رده إلى المُحْكم من كلامهم. وإنا ننصحهم أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يثوبوا إلى رشدهم ولا يصدعوا الصف بهذا المذهب الضال، واللجنة - أيضًا - تحذر المسلمين من الاغترار والوقوع في شراك المخالفين لما عليه جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، والفقه في الدين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
عضو
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو
صالح بن فوزان الفوزان
عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد