فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا, فلا يحملهم حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة, وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة, ويستعينوا بالصبر والصلاة, ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها والآخرة وإقبالها ودوامها, وأولائك لا بد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل, فيجتمع لهم الأمران, فإن إتباع الهوى يعمى عين القلب, فلا يميز بين السنة والبدعة, أو ينكسه فيرى البدعة سنة, والسنة بدعة, فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا, واتبعوا الرياسات والشهوات." (28) "
فصل
وختاما: فإني أذكر بما جاء في كتاب الله من التحذير من الكفر بالنعم, وأعظمها نعمة التوحيد والإتباع, وأن استبدالها وتركها, سبب لزوال النعم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} ,إبراهيم28 وقال تعالى عن قوم سبأ: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ,سبأ19 وقال تعالى عن بني اسرائيل: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} ,البقرة61.
ونعمة اجتماع أهل هذه البلاد بعد الفرقة, وليس مجرد إجتماع على
الدنيا بل هو على الدين والدنيا, وما أعظمها من نعمة لايعرف قدرها تمام المعرفة إلا من عرف مايضادها, قال تعالى: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ,الأنفال26 وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} العنكبوت67وقال تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ,آل عمران103
فهي ثلاث نعم لايتم صلاح الدين والدنيا إلا بها: نعمة الإجتماع على العقيدة, ونعمة الإجتماع على الشريعة, ونعمة الإجتماع
على الولاية, بينها نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله (( إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا, وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا, فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شيئا, وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعا ولا تَفَرَّقُوا, وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وقال وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ) ), (29) اخرجه مسلم من حديث أبي هريرة, وكذا
قوله عليه السلام: (( لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ, وَالنُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ ) ), (30) رواه أهل السنن واسناده صحيح, قال ابن القيم رحمه الله معلقا عليه:"وقوله ومناصحة أئمة المسلمين هذا أيضا مناف للغل والغش, فإن النصيحة لا تجامع الغل, إذ هي ضده, فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل, وقوله: ولزوم جماعتهم هذا أيضا: مما يطهر القلب من الغل والغش, فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه, ويكره لهم ما يكره لها, ويسوؤه ما يسؤوهم, ويسره ما يسرهم, وهذا بخلاف من انجاز عنهم, واشتغل بالطعن"
(يُتْبَعُ)