فهرس الكتاب

الصفحة 15425 من 20085

صيغ النهي، هل تدل على الكراهية أو التحريم، أو لا تدل على واحد منهما؟ فيه الخلاف المذكور أيضا.

والأعيان التي يتعلق بها الحكم إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط (وهو الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص، ولا خلاف في وجوب العمل به) وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد، وهذا قسمان: إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل، ولا خلاف في أنه لا يوجب حكما، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض، وهذا يسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر: ظاهرا، ويسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أقل: محتملا. وإذا ورد مطلقا حمل على تلك المعاني التي هو أظهر فيها حتى يقوم الدليل على حمله على المحتمل، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع، لكن ذلك من قبل ثلاثة معان: 1 - من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم. 2 - ومن قبل الاشتراك في الألف واللام المقرونة بجنس تلك العين، هل أريد بها الكل أو البعض؟. 3 - ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي.

وأما الطريق الرابع فهو أن يفهم من إيجاب الحكم لشيء ما نفي ذلك الحكم عما عدا ذلك الشيء، أو من نفي الحكم عن شيء ما إيجابه لما عدا ذلك الشيء الذي نفي عنه، وهو الذي يعرف بدليل الخطاب، وهو أصل مختلف فيه، مثل قوله - عليه الصلاة والسلام -"في سائمة الغنم الزكاة"فإن قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة.

وأما القياس الشرعي فهو إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين: قياس شبه، وقياس علة.

والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص، فيلحق به غيره، (أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ) لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس، وإنما هو من باب دلالة اللفظ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا، لأنهما إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به، وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا، فمثال القياس: إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد، والصداق بالنصاب في القطع.

وأما إلحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم فمن باب الخاص أريد به العام، فتأمل هذا فإن فيه غموضا.

والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه، وأما الثاني فليس ينبغي لها أن تنازع فيه ; لأنه من باب السمع، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب، وأما الفعل: فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية، وقال قوم: الأفعال ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ، والذين قالوا: إنها تتلقى منها الأحكام اختلفوا في نوع الحكم الذي تدل عليه، فقال قوم: تدل على الوجوب، وقال قوم: تدل على الندب، والمختار عند المحققين أنها إن أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب، وإن أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب ; وإن لم تأت بيانا لمجمل، فإن كانت من جنس القربة دلت على الندب وإن كانت من جنس المباحات دلت على الإباحة، وأما الإقرار: فإنه يدل على الجواز، فهذه أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام أو تستنبط.

وأما الإجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة، إلا أنه إذا وقع في واحد منها ولم يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع وليس الإجماع أصلا مستقلا بذاته من غير استناد إلى واحد من هذه الطرق، لأنه لو كان كذلك لكان يقتضي إثبات شرع زائد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يرجع إلى أصل من الأصول المشروعة.

وأما المعاني المتداولة المتأدية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين، فهي بالجملة: إما أمر بشيء، وإما نهي عنه، وإما تخيير فيه.

والأمر إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمي واجبا، وإن فهم منه الثواب على الفعل وانتفى العقاب مع الترك سمي ندبا، والنهي أيضا إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمي محرما ومحظورا، وإن فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمي مكروها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت