فهرس الكتاب

الصفحة 15453 من 20085

قال محمد بن الحسن في"الآثار (900) : «أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنه كان يقبض على لحيته ثم يقص ما تحت القبضة. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة» . وفي التمهيد (24>145) : قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: «لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ» . فقيل لمالك: فإذا طالت جدًا؟ فإن من اللحى ما تطول. قال: «أرى أن يؤخذ منها وتقصر» . فهذا مذهب مالك. أما عن مذهب الحنابلة فقد قال الخلال في كتاب الجامع (كتاب الترجل 113) : أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟ قال: «إن ابن عمر يأخذ منها ما زاد عن القبضة» . وكأنه ذهب إليه. قلت له: ما الإعفاء؟ قال: «يُروى عن النبي r» . قال: كأن هذا عنده الإعفاء. وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق (بن هانئ) حدثهم قال: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: «يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة» . قلت: فحديث النبي r أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى؟ قال: «يأخذ من طولها، ومن تحت حلقه» . ورأيت أبا عبد الله (أحمد) يأخذ من طولها، ومن تحت حلقه. اهـ. أما الإمام الشافعي فقد ذكر استحباب الأخذ من اللحية داخل النسك، وقد سكت عن ذلك خارج النسك فلم ينص على كراهته."

مذاهب الصحابة

نلاحظ أن راويي الحديث ابن عمر وأبو هريرة قد روي عنهما الأخذ من اللحية دون القبضة. والأثر عن ابن عمر مذكور في صحيح البخاري. فالصحابي راوي الحديث هو أدرى الناس به، وكلاهما من فقهاء الصحابة وهما حجة في اللغة كذلك. ولا يُعلم أحدٌ من الصحابة أبو التابعين أنكر على ابن عمر (أو غيره) الأخذ من اللحية أو حتى سأله عن ذلك. مع أن اللحية في الوجه، والأخذ منها يظهر لكل الناس. فدل هذا على أن الأخذ من اللحية أمر سائغٌ متعارف عليه بينهم. بل هناك من نقل إجماعهم على جوازه. وابن عمر مشهور عنه أنه شديد الحرص على اتباع المصطفى ( r) حتى في الأمور التي لم يُؤمر بها مثل وضوءه في موضع معين، وصبه الماء وصلاته في بعض المواضع التي تتفق له في سفره. ووجدنا أن أئمة الإسلام -بما فيهم الأئمة الأربعة- يحتجون بفعل ابن عمر ويعتبرونه موضحًا للحديث.

ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (الحج:29) . فسره ابن عباس، فقال: «التفث: الرمي، والذبح، والحلق، والتقصير، والأخذ من الشارب، والأظفار واللحية» . أخرجه ابن أبي شيبة (3>#15673) بإسناد صحيح، قال: نا ابن نمير عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عباس به. وإسناده صحيح. وأخرجه ابن جرير (10>149) حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا هشيم أخبرنا عبد الملك به، وفيه «والأخذ من العارضين» . وكذا روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب القرظي كما في تفسير الطبري (10>149) . وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم النخعي: «كانوا يأخذون من جوانب اللحية» . وكل ذلك صحيح وقد جاء غير مقيد بنسك. وحكى عطاء بن أبي رباح عن جملة الصحابة، قال: «كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة» . أخرجه ابن أبي شيبة (5>#25482) بإسناد صحيح، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور، قال: سمعت عطاء. وعطاء مفتي مكة كان أعلم التابعين بالمناسك، وقد ذكر أنه أدرك مئتين من الصحابة.

فإن قيل: إن الصحابة لم يأخذوا إلا في النسك (أي الحج أو العمرة) ؟ قيل: ثبوته في النسك دليل على جوازه خارج النسك. ولأن النسك قيدٌ غير مؤثر، كما لو قرأ الرسول ( r) سورة في صلاة، وكانت الصلاة في السفر، لا يقال: إن ذِكر السفر قيدٌ في استحباب قراءة هذه السورة. وقد أخرج مالك بسنده عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا أفطر من رمضان وهو يريد الحج لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا حتى يحج. فيُفهم من هذا الأثر أن ابن عمر إذا لم يرد الحج، فإنه يأخذ من رأسه ومن لحيته. وعلى هذا يكون غير مقيد بالنسك. ويؤيد هذا ما جاء عن ابن عمر مطلقا. وقد روي كذلك عن بعض السلف إباحتهم الأخذ من اللحية من غير حدِّ ولا توقيت. فإن قيل إن من السلف من كره الأخذ من اللحية خارج النسك. فنقول: نعم ولم يحرموه، وفرق شاسع بين الأمرين. و لا أعلم أحدًا من السلف قال: لا يجوز الأخذ من اللحية مطلقًا، ولا عبرة بقول المتأخر؛ لأن المتأخر إنما هو متبع لمن سلف، وابتداع قول جديد في مسألة فقهية قديمة لا يسوغ. وقد قال الطبري (كما في عمدة القارئ 22>46) : ثبتت

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت