فهرس الكتاب

الصفحة 15518 من 20085

وكان الصحابة يتسابقون إلى مجلسه ويحرصون أن يقابلوه، إذا انصرف من الصلاة انصرف غالبا على جانبه الأيمن، فكانوا يحبون أن يكونوا في الصف الأيمن ليقابلهم بوجهه، وأنه أحيانا ينصرف على وجهه الأيسر، هذا من جملة محبة الصحابة له ونظرهم إليه، وكان إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر هكذا ذكر الصحابة عنه، وكذلك ذكروا أنه ما غضب لنفسه ما غضب إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت يغضب لله تعالى لا يغضب لنفسه كذلك كانت حالته عليه الصلاة والسلام.

وذكروا أنه ما ضرب خادمًا ولا زوجة ولا أحد إلا أن يقاتل في سبيل الله، لما أمره الله تعالى بالجهاد صبر على ذلك وحث أصحابه بالجهاد ورغبهم فيه وكان يقول:"لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما عليها"هكذا كان يخرج معهم بنفسه وقد يتوسط صفوف القتال كما فعل في غزوة حنين لما أن الكثير منهم هربوا وانصرفوا ثبت وجعل يقول:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد الطلب"يشهر بنفسه ثم أمره الله تعالى فحذفهم بحصيات في يمينه وقال:"شاهت الوجوه"فما زال يضعف أمرهم إلى أن انهزموا، كذلك صبره في غزوة أحد مع أن المشركين يحاولون أن يقتلوه، ومع ذلك حصل أن بعضهم كسر رباعيته وشجه في وجهه آخر وهشمت المغفر عليه ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجننته ومع ذلك صبر.

وكان صلى الله عليه وسلم يتواضع مع أصحابه لا يترفع عليهم فكان إذا جاء وقاموا له نهاهم أن يقوموا له من باب التواضع، وكذلك أيضًا يجلس على التراب، ولما استنكر ذلك بعضهم قال:"اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في جملة المساكين"ولما جاء أعرابي وهابه لما قيل هذا النبي صلى الله عليه وسلم تواضع وقال له:"إني ابن امرأة من قريش تأكل القديد"أي هذا من تواضعه، كذلك أيضا لما جاء مرة وأرادوا أن يجلسوه على فراش ونحوه جلس على الأرض من باب تواضعه يجلس على التراب.

وقد يكرم بعض أصحابه إذا قدم عليه في منزله جاء بوسادة حشوها ليف وأجلس الزائر عليها من باب تكريمه له، كان صلى الله عليه وسلم يحرص على إكرام مزاره ورفع مكانته بقدر الاستطاعة، وكان يمشي معهم متواضع دون أن يتميز أو يترفع عنهم بشي، ويأكل أيضا مع زوجاته تذكر عائشة أنها تشرب من القدح فيأخذه ويشرب بل يضع فمه موضع فمها وتتعرق من العظم أي تنهس منه بأسنانها ويأخذه بعدها ويتعرق ويضع أسنانه موضع أسنانها، وكذلك كان يأكل معه ربيبه الذي هو عمر ابن أبي سلمة فأدبه يقول لما رأى يده تطيش في الصفحة قال:"يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك"يقول رضي الله عنه"فما زالت تلك طعمتي"أي تأدب بذلك والتزم بهذا الإرشاد النبوي، ولما زار مرة أو زاره يهودي وقدم له خبزا وفيه شيا من الدباء الذي هو القرع جعل يتتبع الدباء وجعل أنس يجمعه إليه فيقول انس"ما زلت أحب الدباء من يومئذ"تواضع لأنه يجيب دعوة ذلك الذي دعاه ولو لم يكن على دينه.

وكذلك أيضا لما دعته مليكة التي هي جدة أنس لطعام صنعته لم يتكبر بل أجابها وأكل من طعامها ثم أراد أن يكافئهم فقال:"قوموا لأصلي بكم"فصلى بهم على حصير فقام أنس وغلام يتيم معه يعني قد بلغ خلفه وقامت العجوز خلفهم وصلى بهم ركعتين كان ذلك ليؤنس أصحابه ويعاملهم هذه المعاملة الحسنة.

كان أهله وزوجاته قد يشتكين من قلة النفقة، لكنه مع ذلك يحثهن على الصبر إلى أن ييسر الله، ومع ذلك لم يكن يدخر لنفسه شيئًا بل كان يعيش عيشة الفقراء ويتحمل ذلك، ويمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، إنما هما الأسودان التمر والماء، وحتى لما جاءه المال الكثير الذي قيل إنه تسعون ألف درهم من خراج البحرين أو جزيته نثره على بساط أو على ثوب وجاء الناس وجعل يحثوا لهم ويعطيهم، ولم يقم حتى فرقه ولم يدخر لنفسه شيئًا كل ذلك دليل على زهده في الدنيا وتقشفه وعدم توسعه، عملًا بقول الله تعالى: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/start.gif وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/end.gif أي لا تغبط الذين انبسطوا في الدنيا وتوسعوا فيها، هكذا كانت حالته، ولما أن بعض زوجاته أسأن صحبته أو عملن معه عملًا فيه شيء من الخشونة أو الشدة، آلى ألا يدخل عليهن شهرًا واعتزل في مشربة له وظن بعض الناس أنه قد طلقهن، وجاء إليه عمر رضي الله عنه وصعد إليه في تلك المشربة أي الغرفة يقول:"فما رأيت ما يرد بصري إلا ثلاثة أهب"جمع إيهاب وهي الجلود التي لم تدبغ وجلس على حصير قد أثر الحصير في جنبه فدمعت عينا عمر رضي الله عنه وقال:"يا رسول الله فارس والروم قد بسطت عليهم الدنيا وأنت رسول الله"فقال:"أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم"فزهده وأخبره بأن هذه الدنيا إنما هي متاع، مما يدل على تقشفه وزهده وعدم التكلف في المأكل والمشرب ونحو ذلك.

وكان أيضا لا يعيب طعامًا أيا كان ذلك الطعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه، هكذا معاملته للمسلمين وللصحابة رضي الله عنهم، وهو قدوة لامته الذين مرهم الله بأن يتأسوا به ويسيروا على طريقته.

نسأل الله أن يرزقنا حسن الاستماع والاتباع، وأن يجعلنا من أهل الاستقامة والسير على طريق السلف ومن المتمسكين بالسنة والسائرين على نهج نبينا صلى الله عليه وسلم والله أعلم وصلى الله على محمد.

قاله وأملاه

عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين

رحمه الله

29/ 12/1429هـ

الرابط: http://www.ibn-jebreen.com/article2.php?id=74

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت