وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا المال الرابح، فكم من حسنة يربح هذا المال إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؟ صدق النبي صلى الله عليه وسلم: (( ذاك مال رابح، ذاك مال رابح. . أرى أن تجعلها في الأقربين ) ). أرى أن تجعلها في الأقربين: أي أقاربك، ففعل رضي الله عنه، وقسمها في أقاربه وبني عمه.
وسيأتي إن شاء الله على بعض ما يستفاد من هذا الحديث، لكن تعجبوا كيف كانت مبادرة الصحابة رضي الله عنهم، ومسارعتهم إلى الخير، وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء في ماله وتعلقت به نفسه تصدق به؛ لأجل أن يربحه ويلقاه فيما أمامه.
لكن ما تتمسك يه فهو إما زائل عنك وإما أن تزول عنه أنت، ولابد من أحد الأمرين، إما أن يتلف أو تتلف أنت، لكن الذي تقدمه هو الذي يبقى، نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على أنفسنا ويعيذنا من البخل والشح.
والحقيقة أن مالك الحقيقي هو ما تقدمه، وقد ذبح آل النبي صلى الله عليه وسلم شاة وتصدقوا بها إلا كتفها، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (( ما بقي منها؟ ) )قالت عائشة رضي الله عنها: ما بقي إلا كتفها. يعني
أنها تصدقت بها كلها إلا كتفها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بقي كلها غير كتفها ) ) (117) ، والمعنى أن الذي أكلتم هو الذي ذهب، وأما ما تصدقتم به فهو الذي بقي لكم.
فالحاصل أن الصحابة وذوي الهمم العالية هم الذين يعرفون قدر الدنيا وقدر المال، وأن ما قدموه هو الباقي، وما أبقوه هو الفاني، نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين من الشح والبخل والجبن والكسل، والحمد لله رب العالمين.
(114) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب على الأقارب، رقم، (1461) ، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، رقم (998) .
(115) رواه مسلم، كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا. . .، رقم (565) .
(116) رواه مسلم، كتاب، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن، رقم (1568) [41]
(117) رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة، بدون ذكر الباب، رقم (2470) .
من كتاب رياض الصالحين المجلد الثالث
باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد
شرح الشيخ بن عثيمين رحمه الله ورفع قدره في عليين