فهرس الكتاب

الصفحة 16045 من 20085

اللهم إذا قصد ابن حزم -رحمه الله- ضرورة موافقة أصول التشريع وعموماته المطلقة الآمرة بمعنى ما والناهية عن معنى آخر , وعليه فلا إشكال , وهذا هو قول أهل الإسلام قاطبة , وانظر لقول ابن القيم في الطرق الحكمية (ص20) :"فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه ... وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات، ولو لم ينطق بها الشرع ما دامت تفضي إلى مقصوده، بإقامة الحق وتحقيق العدل والقسط الذي ما أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب السماوية إلا لذلك"

آمل حلَّ الإشكال , وأن أرى تحريراتكم الشريفة وتوسعاتكم البحثية ..

وابن حزم بحرٌ , تحار معه .. حتى إذا ظننت أنك قد فهمت مراميه طلع عليك بمدلهمة أخرى .. لله دره!

كيف لا وهو الذي عنده مقطع الحق، ومشعب السداد، ومفصل الصواب ..

ورأيتُ الشيخ فؤادا الهاشمي قد أورد فيه-والبيت للمتنبي-:

إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من مجده غرقت فيه خواطره

قلت بعد تأمل في هذا البيت: أحسن والله!

وعلى سبيل الطرفة: فقد ذكروا أن شاعرا لئيم الضَّريبة كلما قال شعرا , جلس يتأمل فيه , ثم قال: أحسنتُ والله!

ولنبتعد عما كنا بصدده لنلج"رواقا"آخر , يكون أرحب من رواق الحرَّاق بمدينة الرباط ..

فإن معرفة هذا الباب وإحكامه لمما يعود على المرء بالخير الكثير ويجنبه الشر المستطير - من جنس شرور هذه الأيام المتعلقة بالسياسة- ..

فإذا كانت الظروف الدولية والفكرية التي تشكل"العقل الجمعي"للأمة قد تغير , فلا بد لفكر يسود الجماعة المزمعة أن يتطور بما يلاءم الحال .. وهذا باب واسعٌ؛ قال ابن فرحون-رحمه الله- في تبصرة الحكام (3/ 104) :"السياسة نوعان، سياسة ظالمة، فالشرع يحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم، وتدفع كثيرًا من المظالم، وتردع أهل الفساد، ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية، فالشرعية يجب المصير إليها، والاعتماد في إظهار الحق عليها، وهي باب واسع تضل فيه الأفهام، وتزل فيه الأقدام".

وانظر إلى حزب التحرير كيف تورط في حمق فكري اسمه"لا حل للمشاكل إلا بالخلافة"!

وكأنه النظام الذي لا يجوز غيره!

يقول شيخنا الدكتور الحسن العلمي- في بحث له خصَّني به-:"وقد قرر أئمة المسلمين أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصرفات بالإمامة في التدابيرالسياسية لشؤون المسلمين، كتنظيم الجيوش، وشن الحروب، وعقده للمعاهدات بين دار الإسلام ودار الحرب، وسياسته المالية في عطاءاته وهباته فيما سوى الغنائم والزكاة، وتنظيمه لمؤسسات الدولة الإسلامية، وسياسته في الاقتصاد، ونحو ذلك، لايلزم في تنزيله على واقع المسلمين وما يعرض لهم من الوقائع المشابهة الإلتزام بتطبيق فروعه وجزئياته في كل العصور والأمكنة."

... إن الدولة في الإسلام دولة مدنية وليس"أوتوقراطية"ونحن نجاري القوم فيما اصطلحوا عليه , وقبل أيام قامت القيامة على المحقق الفاضل"سلمان العودة"لأجل هذا التعبير , وإنما المقصود أن الدولة لا يستمد مدبروها قداسة إلهية في أحكامهم كما كان الحال مع سلالة"لويس"الحاكمة لفرنسا , بل هم قوم من البشر يحاسبون على أفعالهم , ويُعزلون إن بدر منهم ما يدل على عدم الجدارة ..

قال الشيخ سعد الدين العثماني (ص96) :"الدولة في الإسلام دولة دنيوية , قراراتها بشرية , واجبها تبني أقصى درجات الموضوعية والواقعية في تسيير شؤون المجتمع مع الإلتزام بالأساس المرجعي والدستوري الإسلامي".

لكن الكارثة أن لا شئ مفقود في عالمنا العربي كالواقعية! ويبدو أن مثقفي العرب أكثرهم سرياليين حالمين.

والأحلام تختلف فبعض الأحلام متحللة وبعضها منغلق. ومن وصل إلى الحكم جرب نظريته ليذوق الشعب من كأس السموم الخاص به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت