فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وروى نقلة الأخبار عن ابن عباس رضي الله عنهما في خبر الإسراء: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: قلت: يا جبريل وما ذاك؟ قال: منكر و نكير يأتيان كل إنسان من البشر حين يوضع في قبره وحيدًا فقلت: يا جبريل صفهما لي. قال: نعم من غير أن أذكر لك طولهما وعرضهما. ذكر ذلك منهما أفظع من ذلك غير أن أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، وأنيابهما كالصياصي، يخرج لهب النار من أفوامهما، ومناخرهما ومسامعهما، يكسحان الأرض بأشعارها، ويحفران الأرض بأظفارهما مع كل واحد منهما عمود من حديد، لو اجتمع عليه من في الأرض ما حركوه يأتيان الإنسان إذا وضع في قبره وترك وحيدًا يسلكان روحه في جسده بإذن الله تعالى ثم يقعدانه في قبره فيتنهرانه انتهارًا يتقعقع منه عظامه و تزول أعضاؤه من مفاصله فيخر مغشيًا عليه. ثم يقعدانه فيقولان له: إنك في البرزخ فاعقل حالك، واعرف مكانك، وينتهرانه ثانية. ويقولان: يا هذا ذهبت عنك الدنيا وأفضيت إلى معادك فأخبرنا من ربك؟ وما دينك؟ و من نبيك؟ فإن كان مؤمنًا بالله لقنه الله حجته فيقول: الله ربي و نبيي محمد، و ديني الإسلام، فينتهرانه عند ذلك انتهارًا يرى أن أوصافه تفرقت و عروقه قد تقطعت و يقولان له: يا هذا انظر ما تقول؟ فيثبته الله عنه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة , ويلقنه الأمان ويدرأ عنه الفزع، فلا يخافهما، فإذا فعل ذلك بعبده المؤمن استأنس إليهما وأقبل عليهما بالخصومة يخاصمهما ويقول: تهدداني كيما أشك في رب
وتريداني أن أتخذ غيره وليًا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله. وهو ربي و ربكما. ورب كل شيء ونبيي محمد
وديني الإسلام؟ ثم ينتهرانه ويسألانه عن ذلك فيقول: ربي الله فاطر السموات والأرض، إياه كنت أعبد ولم أشرك به شيئًا , ولم أتخذ غيره أحدًا ربًا. أفتريدان أن ترداني عن معرفة ربي وعبادتي إياه؟ نعم هو الله الذي لا إله الا هو.
قال: فإذا قال ذلك ثلاث مرات مجاوبة لهما تواضعا له حتى يستأنس إليهما أنس ما كان في الدنيا إلى أهل وده ويضحكان إليه ويقولان له: صدقت وبررت أقر الله عينيك وثبتك، أبشر بالجنة وبكرامة الله ثم يدفع عنه قبره هكذا وهكذا فيتسع عليه مد البصر ويفتحان له بابًا إلى الجنة فيدخل عليه من روح الجنة وطيب ريحها
ونضرتها في قبره ما يتعرف به كرامة الله تعالى، فإذا رأى ذلك استيقن بالفور فحمد الله، ثم يفرشان له فراشًا من إستبرق الجنة ويضعان له مصباحًا من نور عند رأسه ومصباحًا من نور عند رجليه يزهران في قبره، ثم يدخل عليه ريح أخرى، فحين يشمها يغشاه النعاس فينام فيقولان له: ارقد رقدة العروس قرير العين لا خوف عليك ولا حزن. ثم يمثلان عمله الصالح في أحسن ما يرى من صورة، وأطيب ريح فيكون عند رأسه، ويقولان: هذا عملك وكلامك الطيب قد مثله الله لك في أحسن ما ترى من صورة وأطيب ريح ليؤنسك في قبرك فلا تكون وحيدًا , ويدرأ عنك هوام الأرض
وكل دابة وكل أذى فلا يخذلك في قبرك ولا في شيء من مواطن القيامة حتى تدخل الجنة برحمة الله تعالى .. فنم سعيدًا طوبى لك و حسن مآب. ثم يسلمان علي
ويطيران عنه.
و ذكر الحديث وما يلقة الكافر من الهوان الشديد
والعذاب الأليم و حسبك بما تقدم.
قلت: و هذا الحديث و إن كان في إسناده مقال لأنه يروى عن عمرو بن سليمان عن الضحاك بن مزاحم، فهو حديث مرتب على أحوال مبنية و محتو على أمورمفسرة.
فصل: قوله صلى الله عليه وسلم: أتاك فتانا القبر منكر و نكير
قال أبو عبد الله الترمذي: إنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهارًا. وفي خلقهما صعوبة. ألا ترى أنهما سميا منكرًا و نكيرًا؟ فإنما سميا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق الأدميين،
ولا خلق الملائكة، ولا خلق الطير، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع , وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما، جعلهما الله تكرمة للمؤمن يثبته وينصره و هتكًا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب.
فصل: إن قال قائل: كيف يخاطب الملكان جميع الموتى وهم مختلفوا الأماكن متباعدو القبور في الوقت الواحد. الجسم الواحد لا يكون في المكانين في الوقت الواحد و كيف تنقلب الأعمال أشخاصًا و هي في نفسها أعراض؟.
فالجواب عن الأول: ما جرى ذكره في هذا الخبر من عظم جثتيهما فيخاطبان الخلق الكثير الذين في الجهة الواحدة منهم في المرة الواحدة: مخاطبة واحدة، يخيل لكل واحد أن المخاطب هو دون من سواه.
و يكون الله يمنع سمعه من مخاطبة الموتى لهما
و يسمع هو مخاطبتهما أن لو كانوا معه في قبر واحد، و قد تقدم أن عذاب القبر يسمعه كل شيء إلا الثقلين. و الله سبحانه و تعالى يسمع من يشاء و هو على كل شيء قدير.
والجواب عن الثاني: أن الله يخلق من ثواب الأعمال أشخاصًا حسنة و قبيحة. لا أن العرض نفسه ينقلب جوهرًا إذ ليس من قبيل الجواهر. و مثل هذا ما صح في الحديث: أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فيوقف على الصراط فيذبح و محال أن ينقلب الموت كبشًا لأن الموت عرض و إنما المعنى أن الله سبحانه يخلق شخصًا يسميه الموت فيذبح بين الجنة و النار. و هكذا كلما ورد عليك في هذا الباب التأويل فيه ما ذكرت لك. و الله سبحانه أعلم. و سيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
والله وحده أعلم وبغيبه أحكم