وإن الله إذا تكلم سبحانه تكلم من علُ، أي من فوق؛ لأنه العلي العظيم سبحانه وتعالى، فهو فوق كل شيء، محيط بكل شيء علما وقدرة، إنه رب الكون: ?أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ? (فصلت:54) . ومن هنا جاء القرآن محيطًا بالكون كله، متحدثًا عن كثير من عجائبه، قال تعالى في سياق الكلام عن عظمة القرآن: ?فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ? (الواقعة:75 - 80) .
وهذا المقال يرمي إلى إبراز قضيتين:
الأولى: كون القرآن خطابًا كونيًا بما هو روح من أمر الله.
والثانية: بيان أنه بذلك معراج للتعرف إلى الله جل علاه.
الأولى: كونية القرآن الكريم
إن معنى"كونية القرآن"لازم من لوازم كونه"كلام الله رب العالمين". فالربوبية قاضية بكل معاني الشمول والامتلاك والسلطنة؛ ذلك أن"القرآن"من حيث هو كلام رب العالمين، متضمن لمعنى الربوبية الجامعة لكل عناصر الكون امتلاكا وقهرًا. كما أن الكائنات من خلاله تدور جميعها حول هذا المعنى، سالكة إلى الله خالقها، منجذبة إلى نوره تعالى. ولذلك كان القرآن -وهو خطاب الله إلى الإنسان- خطابًا كونيًا أيضًا. ويمكن بيان"كونية القرآن"من خلال الخصائص الثلاث الآتية:
أ-القرآن قراءة لكتاب الكون، وكشف لأسراره: ومعنى ذلك أنه كتاب كاشف للغز الحياة بصورة بسيطة. فهو يقدم الصعب المعقد تقديمًا سهلًا ميسرًا، فسهل على العامة والخاصة قراءة مقاصده من خلال أبعاده الكونية؛ إذ يلفت انتباه الإنسان إلى مظاهر الكون وحقائقه ليتفكر في خلق السموات والأرض، كل على حسب طاقته وسعة إدراكه. فيكون القرآن الكريم بكونيته هذه خطابًا لجميع الناس بجميع مستوياتهم الثقافية واختلافاتهم اللغوية والعرقية. وهو ضرب من ضروب الإعجاز. ومن هنا كان القرآن بحقٍ مفسرَ كتاب العالم.
ب -القرآن روح الكون: ومعنى ذلك أنه ما دام المتكلم به هو اللهَ رب العالمين -بالاعتبار الذي ذكرنا- أي"خالق كل شيء"سبحانه، فإنه لا شيء إلا وهو راجع في حقيقة وجوده إلى حقائق القرآن الكونية. وما علمنا ذلك كله إلا من خلال القرآن الكريم الذي هو كلام رب العالمين الخالق لكل شيء. فالقرآن يمثل -من حيث حقائقه- حقائق الكون كله، بدءا بقصة الخلق إلى غاية الإعادة من يوم القيامة ?كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ? (الأنبياء:104) ، ثم البعث والنشور، فالمصير. فلو تُصُوِّر عدم حقائق القرآن -وهو فرض محال- لاستحال تصور وجود العالم الكوني كله.
ثم إن حقائق القرآن التي هي التفسير السليم لنظام الكون، هي وحدها القادرة على الحفاظ على ذلك النظام الكوني في العقل. ولو افترضنا تفسيرًا غيرها، لعمت الفوضى تصورات العقول، ولاختل التوازن في الفكر، بتصورات لا يمكن إلا أن تؤدي في النهاية إلى افتراضات تقضي في المنطق العقلي إلى اختلال الكون كله في التصور. وبهذا المعنى كان القرآن هو روح الكون.
ج -القرآن محيط بمفهوم الزمان الكوني: إذا كان القرآن كلام الله رب العالمين، فإنه صفة له سبحانه؛ لأن الكلام صفة للمتكلم. وقد عُلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بالزمان والمكان. فهو فوق كل شيء ومحيط بكل شيء، لأنه تعالى خالق كل شيء. من هنا إذن كان القرآن محيطًا بالزمان الكوني: الماضي والحاضر والمستقبل جميعًا، ثم بالزمان الأرضي، وهو الزمان بالتقدير البشري الدنيوي مما نعد به التاريخ والأعمار، وكذلك بالزمان المعراجي بنوعيه: الأمري والملائكي. فالزمان الأمري هو المشار إليه في قوله تعالى: ?يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ? (السجدة:5) ، والزمان الملائكي هو المشار إليه في قوله سبحانه: ?تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ? (المعارج:4) . وكذلك الزمان العندي وهو المشار إليه في قوله تعالى: ?وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ? (الحج:47) .
(يُتْبَعُ)