فهرس الكتاب

الصفحة 16361 من 20085

وقال أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام. وهو كما قال لوجهين:

أحدهما: أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام

الثاني: أن لغة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل مدينته في (أهل الغرب) هم أهل الشام، ومن يغرب عنهم، كما أن لغتهم في (أهل المشرق) هم أهل نجد والعراق، فإن المغرب والمشرق من الأمور النسبية، فكل بلد له غرب قد يكون شرقًا لغيره، وله شرق قد يكون غربًا لغيره، فالاعتبار في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان غربًا وشرقًا له حيث تكلم بهذا الحديث وهي: المدينة.

ومن علم حساب الأرض بطولها وعرضها علم أن: حرّان، والرقة، وسميساط على سمت مكة، وأن الفرات وما على جانبيها من البيرة على سمت المدينة بينهما في الطول درجتين لتبين فما كان غربي الفرات فهو غربي المدينة، وما كان ثَمّ شرقيها فهو شرقي المدينة.

فأخبر (صلى الله عليه وسلم) أن أهل الغرب لا يزالون ظاهرين، وأما أهل الشرق فقد يظهرون تارة، ويُغلَبون أخرى، وهكذا هو الواقع، فإن الجيش الشامي ما زال منصورًا.

وكان أهل المدينة يسمون الأوزاعي: إمام أهل الغرب، ويسمون الثوري شرقيًا، ومن أهل الشرق.

ومن ذلك أنها خيرة الله الأرض، وأن أهلها خيرة الله وخيرة أهل الأرض، واستدل أبو داود في سننه على ذلك بحديث كثير (مثل) :

حديث عبد الله بن حوالة الأزدي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"ستجندون أجنادًا؛ جندًا بالشام، وجندًا باليمن، وجندًا بالعراق". فقال الحوالي: يا رسول الله، اخترْ لي. قال:"عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها حزبه من عباده، فمن أبي فليلحق بيمنه، وليَسْقِ من غُدْره، فإن الله تكفّل لي بالشام وأهله". [8]

وكان الحوالي (راوي الحديث) يقول: من تكفّل الله به فلا ضيعة عليه. ففي هذا الحديث مناقب المهاجرة.

وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قل:"سيكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير [9] ، تبيت معهم حيثما كانوا، وتقيل معهم حيثما قالوا."

فقد أخبر أن خيار أهل الأرض من ألزمهم مهاجر إبراهيم، بخلاف من يأتي إليه ثم يذهب عنه، ومهاجر إبراهيم هي الشام.

وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من حرّان [10] وغيرها إلى مهاجر إبراهيم، واتبعوا ملة إبراهيم، ودين نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، لأن الهجرة إلى حيث يكون الرسول وآثاره، وقد جعل مهاجر إبراهيم تعدل مهاجر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الهجرة إلى مهاجره انقطعت بفتح مكة [11] .

ومن ذلك أن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام، كما في الصحيح [12] من حديث عبد الله بن عمر.

ومن ذلك أن عمود الكتاب والإسلام بالشام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"رأيتُ كأن عمود الكتاب أخِذ من تحت رأسي، فأتبعتُه بصري فذُهِب به إلى الشام" [13] .

ومن ذلك أنها عقرر دار المؤمنين، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"وعقر دار المؤمنين بالشام" [14] .

ولهذا استدللتُ لقوم من قضاة القضاة [15] وغيرهم في فتن قام فيها علينا قوم من أهل الفجور والبدع الموصوفين بخصال المنافقين، لما خوّفونا منهم، فأخبرتُهم بهذا الحديث:"وأن منافقينا لا يغلبوا مؤمنين" [16] .

وقد ظهر مصداق هذه النصوص النبوية على أكمل الوجوه في جهادنا للتتار، وأظهر الله للمسلمين صدق ما وعدناهم به، وبركة ما أمرناهم به، وكان ذلك فتحًا عظيمًا ما رأى المسلمون مثله، مثل صرح مملكة التتار -التي أذلت أهل الإسلام، فإنهم لم يهزَموا أو يُغلَبوا كما غُلِبوا على باب دمشق في الغزوة الكبرى التي أنعم الله علينا فيها من النعم بما لا نحصيه خصوصًا وعمومًا.

والحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، كما يحب ربنا ويرضاه، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.

[1] تخريجات أحاديث الكتاب منقولة من تحقيق المحدث ناصر الدين الألباني رحمه الله لكتاب» فضائل الشام ودمشق للربعي ومعه مناقب الشام وأهله لشيخ الإسلام ابن تيمية «. المكتب الإسلامي 1405 ط2.

[2] أي للمسلمين الشاميين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت