فهرس الكتاب

الصفحة 16452 من 20085

48 -وقال e:"موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، وغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، وخمار جارية من أهل الجنة خير من الدنيا وما فيها".

فكيف يصدك عن هذا الملك العظيم، أهل عن قليل يكونون في الأموات، وتمزقهم أيدي الشتات، وتفرقهم نوازل الآفات، مع ما يصدر منهم من النكد والعداوات، والأخلاق السيئات، والحقد على ما عرضت من حظوظهم منك للفوات، وهجرانهم إياك عند قلة المال، وتحولهم عن ودك عند تغيِّر الأحوال، وأعظم من ذلك فرارهم منك في المآل، ومحاسبتهم إياك على مثاقيل الذر في موقف السؤال، حتى يود كل واحد منهم لو نجا، وحملك ما عليه من الذنوب والأثقال.

أم كيف يصدك ما هو في معرض الذهاب والزوال، ينفر عنك عند فقده الأخلاء وتتفرق العيال، ويهجرك كل صديق كان يكثر لك الوصال، ثم يوم القيامة تسأل عنه من أين اكتسبت، وفيم أنفقت؟ ويا له من سؤال، في يوم تشيب فيه الأطفال، وتعظم فيه الأهوال وتكثر فيه الزحام ويشتد الخصام وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها من هول ذلك المقام ويعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام [8] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn8) ويحاسب فيه الأغنياء على النقير والقطمير، والخطير والحقير، والناقص والتمام، ويسبق الفقراءالأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام، فيأكلون ويشربون ويتنعمون في دار السلام، وأنت أيها الغني محبوس عنهم بسبب مالك، تخشى أن يؤمر بك إلى مالك.

أفتحزن على فراق ما إن قل أكثر همك وعناك، أو كثر فأغناك وأطغاك وإن مت وتركته وراءك أرداك، وبين يديك موقف الحساب عليه وما أدراك، وهب أن لك الدنيا بحذافيرها، أليس إلى الفنا مصيرها، ولا بد من فراقك لها، وإن ركنت إلى غرورها.

49 -جاء في الحديث أن النبي e قال لأبي هريرة رضي الله عنه:"ألا أريك الدنيا جميعا بما فيها، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس، وعذرات وخرق بالية وعظام (البهائم) ، قال: أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم (تساقط) عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رمادا (رميدا) وهذه العذرات ألوان أطعمنهم، اكتسبوها من حيث اكتسبوها، فقذفوها في بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم، ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك، قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا."

وإن تذكرت ولدك الكريم وحنوت عليه حنو الأب الشفيق الرحيم، فقد قال الله تعالى:] إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم [[9] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn9) .

وتا الله لله أرحم بالولد من أبيه وأمه، وأخيه وعمه، وكيف لا وهو قد رباه قبلهم بثدي رحمه، في ظلمات الأحشاء، وقلبه بيد لطفه ورأفته في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، فأين كانت شفقتك عليه إذ ذاك، وحنوك وبعدك عنه ودنوك، وكيف يقعدك عن دار النعيم، وجوار الرب الكريم، ولد إن كان صغيرا فأنت به مهموم، أو كبيرا فأنت به مغموم، أو صحيحا فأنت عليه خائف، أو سقيما فقلبك لضعفه واجف، إن أدبته غضب وشرد، أو نصحته حرد وحقد، مع ما تتوقعه من العقوق المعتاد، من كثير من الأولاد، إن أقدمت جننك، وإن سمحت بخلك، وإن زهدت رغبك، عظمت به الفتنة، وأنت تعدها منة، وعم به البلاء، وأنت تراه من النعماء، تود سروره بهمك، وفرحه بحزنك، وربحه بخسرانك، وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك، تتكلف من أجله ما لا تطيق، وتدخل بسببه في كل مضيق، ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولا تسلم إليه تدبير ر ولدك بعدما تموت، وهل إليك من تدبيره قليل أو كثير:] ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير [[10] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn10) ، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرا، ولا في رزقه نقيرا، وقد تفترسك المنية بغتة، فتمسي في قبرك صريعا وبعملك أسيرا، ويصبح ولدك العزيز بعدك

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت