ـ [أبو الفداء] ــــــــ [08 - Mar-2010, صباحًا 08:17] ـ
جزاك الله خيرا.
فإن الدعوة واجبة على كل مسلم كما أن الصلاة واجبة على كل مسلم.
هذا الكلام يفتقر إلى الدقة العلمية. فوجوب الصلاة على الأعيان لا نزاع فيه، وأما الدعوة إلى الله ففيها تفصيل. فمنها ما يكون واجبا على الكفاية، وهو مخاطبة عموم الناس ونذارتهم وإيصال الحق إليهم، وهو من الجهاد .. وتجده على الكفاية في قوله تعالى:
(( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ) [التوبة: 122] (وفيه كذلك فائدة أن من شرط تولي مهمة النذارة للقوم(الدعوة) = التفقه في الدين، فلهذا جاء الترتيب كما ترى)
ومنها ما يكون واجبا على الأعيان كما يظهر في قوله تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) [التحريم: 6]
فلا يكون ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كل راع فيما استرعاه الله، عملا بقوله عليه السلام (من رأى منكم منكرا) فلا شك أن هذا واجب على الأعيان ولا شك - أيضا - أنه يلزم منه العلم بالمنكر ودليل نكارته حتى لا يأتي الإنكار في غير محله وحتى يقوم الواجب بحقه، فإن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب! وما من مسلم إلا وعنده من العلم - ولو بضروريات الدين - ما به يمكنه الإنكار على بعض المنكرات (وهذا يضعه في مقام الداعي إلى الله والحالة هذه) .
وسلاح الدعوة الأخلاق العالية،
وينبغي ألا تغفل هذا الشرط: العلم!
فإن من لم يحصل من العلم ما به يضبط ما يدعو الناس إليه فإنه يهلكم ويفسدهم من حيث يحسب أنه يحسن صنعا! والعلم يتجزأ كما هو معلوم، فلا يوجد في الأرض من حصله كله في صدره، ومن الناس من له حظ وافر من العلم في مسأله وهو على جهل تام بغيرها .. فعلى كل من يدعو إلى الله ألا يتكلم إلا فيما حصل العلم به وضبطه وأحكمه! وإلا فما أكثر من يتصدر للكلام تحت راية الدعوة، يظن المسكين أنه يدعو إلى الخير ويصلح الناس وما هو إلا يدعوهم إلى أبواب جهنم، نسأل الله العافية!
(( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ) [يوسف: 108]
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يظهر له فائدة في باب المناسبات، حيث ختم بقوله"وما أنا من المشريكن"! فلماذا لم يقل"من الظالمين"مثلا، على اعتبار أن القول على الله بغير علم ظلم للنفس والغير؟ الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن القول على الله بغير علم أشد من عموم الظلم للنفس وللغير، فهو مدخل إلى الشرك وهو سبيل المشركين في كل ما يدعون إليه! وهذا يظهر من تقديم الله تعالى للقول بغير علم على الشرك نفسه في قوله: (( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) [الأعراف: 33] فإن القول على الله بغير علم يفضي إلى تلك المصائب جميعا بما فيها (وعلى رأسها) الشرك، وقد جاء في الأثر:"ما عصي الله بمعصية أعظم من الجهل"، والله المستعان!
وكما أخرج أبو بكر الجيوش لحرب المرتدين مع مخالفته في الظاهر لتلك الأحوال
في هذا الاصطلاح (مخالفة الأحوال) التباس يحتاج منك إلى تحرير ..
فهل تقصد"مخالفة مقتضى الحال"؟ فإن كان كذلك فإن فيه نظرا، إذ ما فعله هؤلاء الصحب الكرام فيما ذكرتَ من المواقف لم يكن الصواب إلا فيه .. فهذا هو مقتضى الحال: أن يتصرفوا بما يؤديهم إليه شرع الله .. وهم ما فعلوا إلا هذا!
ولعلك تقصد"مخالفة ما يتوهمه أكثر الناس بإزاء تلك الأحوال"حيث يتوهمون أنها ليس من الممكن معها القيام بكذا وكذا، ولكن يعين الله الصادقين من أهل الحق على القيام به وإن توهم الناس امتناع ذلك.
والظاهر أن هذا الأخير هو مرادك، ولكنه يحتاج إلى عبارة أدق، بارك الله فيك.
فإن تحرير العبارة بما يدفع الالتباس والغموض عن السامع: من سنن الأنبياء، ولا شك أن من الواجب على كل داع إلى الله ألا يتكلم بما قد يساء فهمه أو تأويله أو قد يلتبس على السامع، وقد جاء في الأثر"حدثوا الناس بما يعقلون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟".
ـ [صالح الطريف] ــــــــ [08 - Mar-2010, صباحًا 10:05] ـ
بارك الله فيك ...
لعلي أجد وقتا آخر للنقاش حول هذه الموضوعات ...
ـ [عادل الحريشي] ــــــــ [08 - Mar-2010, مساء 02:02] ـ
لاشك أنه من الذل المسلط .. وله أسبابه التي يجب مراجعتها.
(يُتْبَعُ)