فهرس الكتاب

الصفحة 16888 من 20085

مِنْهُمْ أَفْضَل مِنْ اِبْن مَسْعُود.

2.لما كان ـ رضي الله عنه ـ عالمًا داعيًا مُربيًا فقيهًا بحقٍّ، تبعه مِنَ الناس الكثير، فلما رأى ذات مرّة عدد مَنْ يتبعه وقد كثُر، إذ به يقول لهم كلمته المباركة: (لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان، ولحثيتم التراب على رأسي، ولوددت أنّ الله غفر لي ذنبا من ذنوبي، وأني دعيت عبد الله بن روثة) . [أخرجه الحاكم وغيره] ..

يقول: (لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان) ..

وفي رواية أخرى قال: (( لو تعلمون ـ يقسم ويقول ـ والله الذي لا إله غيره لو علمي لحثيتم التراب على رأسي ) )..

قال الشيخ صالح آل الشيخ ـ حفظه الله ـ مُعلقًا على هذه الكلمات:

(وهذه الكلمات مدرسة ولا شك؛ لأن البروز في الناس متوقع، إذا تميز أحد في الناس بشيء، ربما عظموه، وربما مدحوه، وربما تتابعوا خلفه يمشون، والمرء كلما ازداد علمه بالله جل وعلا علم أنَّ ذنوبه كثيرة كثيرة كثيرة، ولا عجب أنْ أوصى النبي(أبا بكر -وهو أفضل هذه الأمة من صحابة رسول الله، الصديق الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر» . علمه النبي أن يدعو آخر صلاته بدعاء فيقول فيه: «ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت» . القائل الموصِي النبي، والموصَى أبو بكر الصديق رضي الله عنه «ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك» ، كلما ازداد علم المرء بربه خشي الله جل وعلا، وخشي أن يطأ عقبه اثنان، خشي أن يعظم في الخلق، خشي أن يُرفع في الناس؛ لأنه يعلم من الله جل وعلا، ومما يستحقه الله جل وعلا ما يوقن بأنه لن يبلغ أن يوفي الله جل وعلا حقه، فيكون مقصرا في الشكر، وذلك ذنب من الذنوب.

ومقام الشهرة مقام مزلة عظمة، ولهذا ابن مسعود أوصى وصية على نفسه يبين فيها حاله، ويبين فيها ما يجب أن يكون عليه كل من كان له تبع، فيقول: لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان ولحثيتم التراب على رأسي. لابد فيمن كان على شهرة، أو كان ممن ينظر إليه الناس أن يحتقر نفسه دائما بينهم، ويظهر ذلك لا ليرتفع بينهم، ولكن ليرتفع عند الله جل وعلا، ومدار ذلك الإخلاص، فإن من الناس من ربما يزدري نفسه أمام الناس ليظهر بينهم، وهذا من الشيطان، ومنهم من يزدري نفسه من الناس والله جل وعلا مطلع على قلبه أنه صادق في ذلك، يخشى لقاء الله جل وعلا، يخشى يوم يوفى ما في الصدور يوم يطلع على ما في القلوب، ولا تخفى على الله خافية، ولا يكتمون الله حديثا).اهـ.

فتأمل ـ يرعاك الله ـ فقه نفس هذا الصحابي الجليل في الموقفين، إذ لمّا كان الموقف الأول يتطلّب إظهار علمه للناس، فعلَ وما تردد؛ ليصرفهم وليأخذ بقلوبهم وهممهم وعزائمهم إلى طلب العلم وشرفه، وليرشدهم لأخذ العلم مِنْ منبعه الصافي النقيّ ألا وهم العلماء الربانيون، أما لمّا تكاثرت الجموع عند بابه، ورأى منهم تعظيمهم له ورفعته بينهم، علم أنه عبدٌ لله مُقصّر، ولو بلغ مِنَ الرُّتب الشرائف ومِنْ الأعمال العظائم؛ فلن يفي لله حقّه، ولا نعمةً مِنْ عظيم نعمه؛ فأعلن ـ رضي الله عنه ـ على الملأ فقره لله سبحانه، وخشيته له، واحتياجه لعفوه ورحمته وغفرانه، وهذا مِن عظيم فقه عبد الله بن مسعود، وثمرةٌ مِنْ نتاج علوِّ شأنه ورفعته في العلم (النافع) ، الذي متى ما ناله العبد وحصّله، أورثَ خشيةً لله وذلًا؛ فكلما كثُر علم المرء الفقير، ازداد خشيةً للعليم القدير؛ فرضي الله عن عبد الله ابن مسعودٍ ما أفقهه مِنْ رجل .. !

"جزى الله خيرا من قام بصياغة الموضوع"

ـ [أسامة] ــــــــ [25 - Mar-2010, مساء 05:18] ـ

جزاك الله خيرًا، ونفع بك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت