فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بالله عليكم هل سبق لك أن رأيتم علمانيًا أو ليبراليًا أوتنويريًا أو ديمقراطيًا أو إصلاحيًا سياسيًا يؤلف الرسائل في مناقشة شبهات الوثنية؟ ويتحرق في دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة؟
اسألوا أنفسكم وأجيبوا: من الذي قاد حملة إشعال الوعي المعاصر بأهمية التوحيد وخطر صور الشركيات؟ أليست الصحوة الإسلامية؟
أما إن كنتم ترون أن هذه القضية (التوحيد والشرك) قضية هامشية، وشغلات وعاظ، واهتمامات دراويش، وإشكاليات البسطاء من الناس، فإن هذا يعني بكل وضوح أن مشكلتكم ليست مع الصحوة، بل مشكلتكم مع الأنبياء والرسل، ومشروعات الرسل ليست قضية غامضة ولا موضوع يحتاج لتحليل، فقد كشف القرآن بشكل متكرر عن رأس أولويات الرسل، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:25]
وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]
بالله عليكم يامعاشر الطوائف الفكرية ألا تخجلون من الله حين تزهِّدون في الدعوة للتوحيد ومقاومة الشركيات، وأنتم ترون الله جل وعلا يظهر لنا في القرآن حبه للتوحيد وتعظيمه له، وتخصيصه أنبياءه بالدعوة إليه؟
حين أتأمل المدارس الفكرية اليوم ولا أجد فيها من يحمل راية التوحيد وتدريس الكتب الشرعية التي تقرره والرد على المبطلين فيه إلا"الصحوة الإسلامية"، فإني أتعجب من شدة توفيق الله لهذه الصحوة المباركة، ومن خذلان هذه المدارس الفكرية عن أعظم حقائق القرآن على الإطلاق.
وأنا أعرف جيدًا لماذا خرجت قضية التوحيد والشرك من معاييركم، ولم تعد جزءًا من آلية القياس والتقييم لديكم؟ السبب بكل وضوح أنكم تشربتم"المفاهيم المادية الغربية"، ولذلك عجزتم عن قراءة منجزات التوحيد ومشكلة الشرك.
ويشبه هذا الأمر مافعلته قريش حين احتجت على النبي وأصحابه بكونها خير منه لأنها تقدم نفعًا ماديًا للناس وهو (تموين الحجاج وبناء الحرم) فرد الله عليهم مبينًا أن نفع التوحيد أعظم من النفع المادي حتى لوكان للحجاج وفي الحرمين، كما قال تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) [التوبة:19] .
ويشبه هذا أيضًا أنه لما استنكر بعض الناس زمن النبوة أمورًا فعلها النبي وأصحابه وعدوهًا إرهابًا وقتلًا، فبين الله أن"الفتنة الدينية"أشد وأخطر من"القتل"، كما قال تعالى في موضعين (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:191] وقال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:217] . فجعل الفتنة في الدين أعظم من أمر الدماء، مما يدل على جعل العقيدة فوق المصالح المادية.
فانظر الى منزلة جنس التوحيد والعقيدة ونفعها، حتى جعلها الله فوق منزلة النفع المادي للناس، وفوق منزلة الأمن، ومع ذلك كله حين تتحدث الطوائف الفكرية عن المنجزات فإن آخر شئ تفكر فيه هو (منجز ترسيخ التوحيد ومقاومة الشركيات) .
وقد شاهدت خارج المملكة أمورًا عجيبة تدل على عظمة منجز الصحوة في نشر التوحيد، ذلك أنني أشاهد أحيانًا شخصيات عربية فيها فضل وخير، لكنها نشأت في أجواء بعيدة عن الصحوة الإسلامية، ومع شدة تدين بعضهم وحرصهم على الخير إلا أنه يقع في قوادح خطيرة للتوحيد وهو لايعلم، ويجد من يناقشه صعوبة في توضيح الأمر له، وأقارن ذلك ببعض الشباب المبتعثين الذين ليس فيهم حرص على التدين، ولكن بسبب نشأتهم في أجواء الصحوة وانتفاعهم بجهودها في نشر التوحيد تجد لديهم حساسية شديدة منذ أن تقترب من حمى التوحيد وباب الألوهية.
بل إن بعض الناس يرى أن"الأخلاق المهنية"كالأمانة في العمل أهم من"التوحيد"! وهذا بسبب جهلهم بأعظم المطالب القرآنية، ولذلك يقول ابن مسعود فيما رواه الطبراني وابن أبي شيبة وابن حزم: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا) .
قال ابوالعباس ابن تيمية في تعليق شهير على هذا الأثر (لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق) ..
فكم فات على هذه التيارات الفكرية معرفة منزلة"حسنة التوحيد"وأنها تفوق كل الحسنات التي يعرفونها ..
(يُتْبَعُ)