فهرس الكتاب

الصفحة 17063 من 20085

إنه لا غرابة في ظل غياب رقابة لجان تؤمن بمشروع إسلامي سني أن يكون تعليمنا يعاني من قلة المواد الدينية, بل القليل منها يتم تفريغه من كل شحن إيماني يحيي القلب ويهذب النفس, إلى أن بلغ الحال بأبناء إعدادياتنا وثانوياتنا إلى ما بلغ بهم من مستوى هابط من الانحلال والتلوث الأخلاقي. ثم لا غرابة أيضا في ظل غياب رقابة شرعية أن يكون اقتصادنا يعتمد على الربا, ويبني مداخيله على عائدات تجارة الخمور وأنشطة مؤسسات القمار ورسوم السجائر. لا غرابة ثم لا غرابة في ظل هذا الغياب أن تكون مجتمعاتنا بأغلب فعالياتها ومكوناتها لا تأثير لدينها الرسمي ولا تفعيل لمذهبها السني في حركة حياة مؤسساتها وأفرادها. ولاشك أن الأمة في مثل هذا الواقع هي أحوج ما تكون من علمائها إلى أكثر من مجرد شجب أو إصدار بيان, وذلك حتى يسترجعوا مكانتهم ويثبتوا مصداقيتهم ويستعيدوا قوة تأثيرهم في المجتمع.

لنكن صرحاء!

أليس انزواء المؤسسات الدينية إلى الزاوية وتسليمها لمقاليد دنيا مجتمعاتها هو رهبنة منها وتكريس لسياسة فصل الدين عن الحياة؟

هل لها من مشروع يجمع بين الشرعي و السياسي, وذلك باعتبارها مؤسسات دينية تمارس وظيفتها داخل دولة سياسية؟

هل مؤسساتنا الدينية مسلوبة الحقوق أم هي المتقاعسة عن أداء واجبها؟

روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:] مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا [ (3) . فإن صلاح المجتمعات ذات التوجه السني أو فسادها رهن قيام مؤسساتها الدينية بواجب ما استحفظت عليه من كتاب الله وموروث نبيها صلوات الله وسلامه عليه, من أمر بمعروف ونهي عن منكر. فهي مؤسسات أمينة الله في أرضه, ومصباحه الذي يستضاء به في ظلماء الفتن, وصمام الأمان من البلايا والمحن, هذا ما اقتضته سنة الله, أنه إذا وجد الفساد فلا بد من أن يوجد من ينهض لدفعه {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض!} (4) , وانظر قوله سبحانه: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} (5) . إنها وظيفة القيام بمهمة تنظيم حياة المجتمعات الإسلامية على أصل العبودية لله, وهي مهمة تقتضي ألا تعمل المؤسسات الدينية بمعزل عن غيرها من المؤسسات في إدارة شؤون المجتمعات السنية, فلا تكاد ترى مؤسسة سواء كانت تعليمية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو إعلامية ... , إلا وعليها أثر إسلامي, وهيمنة مرجعية سنية البلد الذي تنتمي إليه. إنها وظيفة إشراف ورقابة قصد تحقيق عبودية الله في إطار تسنن اجتماعي. يحفظ مبادئ المجتمع, ويحمي هويته, ويصون سيره من الانحراف. و إلا أصبح المنكر عرفًا, وصار الانحراف أمرا سهلًا, فتشيع حينها الفاحشة في أرجاء المجتمع. فيعم والعياذ بالله البلاء والهلاك {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (6) .

نشر بجريدة السبيل (المغريية)

العدد 73. 29 ربيع الأول 1431 هجرية

الموافق ل16 مارس 2010 م

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقال تحت عنوان"المؤسسات التعليمية داخل المنظومة السنية أية مسؤولية؟ وأية فعالية؟ وهل من مشروع؟"تجده على الشبكة العنكبوتية (الأنترنيت) موقع الألوكة.

(2) سورة آل عمران الآية 104.

(3) صحيح البخاري تحت رقم 2313 باب هل يقرع في القسمة.

(4) سورة هود الآية 116.

(5) سورة المائدة الآية 63.

(6) سورة هود الآية 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت