فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بالنسبة إليَّ لم يكن هناك عقبات تُذكر، إنما كان الطريق معبَّدًا. وإذا أراد الله شيئًا هيأ أسبابه؛ فقد هُيئت لي جميع الوسائل؛ فالدار التي أعمل فيها كانت تُطلِق يدي؛ فأتخيَّر الكتب والأشخاص الذين يعملون معي من هؤلاء الأبناء والأساتذة، لكن واجهتنا بعض الصعوبات في جَلْب المخطوطات ودراستها ومعرفة ترتيبها وتاريخها والقدرة على قراءة الخطوط المتنوعة التي كتبها المتقدمون، مثل: خط النسخ، والخط الفارسي، وهذه عقبات بسيطة تُذلَّل ولله الحمد، وما أذكر أنني طلبت شيئًا إلا وفقني الله إليه. وأذكر أنني لَمَّا حققت كتاب (مُشِكل الآثار) بقي جزء واحد لم يتيسر لي، فقلت: لا بد أن يكون هناك جزء ثامن. وفي المتحف البريطاني في لندن كان يوجد جزء من هذا الكتاب، قيل: إنه من اختصار ابن رشد الفقيه المشهور، فطلبته بواسطة أخ فاضل، فأهداني الكتاب، وإذا به هو الجزء الثامن المتمم للكتاب. وكم كانت فرحتي غامرة عندما رأيت هذه النسخة الأصل؛ لقد هيأ لي رب العالمين أناسًا طيبين من كل بلد يمدونني بالأصول الخطية إذا احتجت إليها. أما بالنسبة إلى العلم، فهذا علم أتقناه، إن شاء الله؛ فقد شَكَرَنا كثير من الناس على حُسْن إخراجنا وعلى المعلومات التي ذكرناها في هذه الكتب. وإن شاء الله نكون من المقبولين عند الله ثم عند الناس.
-البيان: شهدت الساحة العلمية في العقود الثلاثة الأخيرة - بفضل الله - نهضة محمودة في تحقيق التراث الإسلامي؛ حيث نُشر عدد كبير من كتب التراث الإسلامي؛ إلا أن هذه النهضة شابتها بعض الشوائب وتصدَّرَ لها بعض من لم يُحسِن هذه الصناعة؛ فما تقويمكم لهذه النهضة؟
أنا أرى أنه لا ينبغي أن يُقدِم على تحقيق الكتب إلا من استكمل أدوات البحث والتحقيق، وليتق الله قبل كل شيء، ثم بعد ذلك يمارس الدور الذي يعلمه، وكما يقال: رحم الله امرأً عرف قَدْره فوقف عنده، أما أن يُقدِم على هذا العمل إنسان ليس عنده تصوُّر عن هذا العمل ولا عنده أهليه لذلك، فليتق الله ربه؛ لأن هذا تراث تجب المحافظة عليه.
كثير من الناس المبتدئين يظنون بأنفسهم أنهم يَصلُحون لهذا العمل، لكنهم ما يلبثون أن ينقطعوا، ويكون نِتاجُهم العلمي غير موفَّق. وهذا يستدعي أن يبدأ طالب العلم مع أستاذ مارس هذا العلم حتى يعطيه خصائصه وما يحتاج إليه من علم وخبرة؛ لأن المرء يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن حتى يستطيع أن يخوض غمار هذا العلم؛ فأنا - مثلًا - بقيت عشر سنوات أمارس هذا العمل ولم أُظْهِر للناس خلالها ما صنعت. وعندما آنست من نفسي أنني أستطيع أن أقف على قدميَّ وأن أرفرف بجناحيَّ، أقدمت على هذا العمل. وكما قالت العرب: (قبل الرماء تُملأ الكنائن) .
-البيان: إن المتابع يلاحظ أن بعض صغار طلبة العلم ممن لم يتمرسوا في هذا الفن، يتجرؤون في (التصحيح والتضعيف) وقد لا يتورَّع بعضهم عن تخطئة أئمة العلم المتقدمين: كابن معين وأحمد بن حنبل، فضلًا عن المتأخرين كابن حجر؛ فما رأي فضيلتكم في هذه الظاهرة؟
هؤلاء مسؤولون عند الله عن هذا التصرف. وأنا لا أتحمَّل تبعتهم؛ ذلك أنني لا يمكن أن أضع اسم أستاذ من الأساتذة الذين يعملون عندي إلا بعد أن أستوثق من عِلْمه وبعد أن يمضي عندي فترة طويلة من الزمن، وكما قال الشاعر:
وابنُ اللبونِ إذا ما لُزَّ في قَرْنٍ
لم يستطع صولةَ الأُسْد القناعيسِ
إن هذا (تحقيق) . ويحتاج إلى علم بالعربية والحديث والتفسير والفقه والتاريخ؛ لأن المحقق يقف من الكتاب بعد أن يُظهرَه كما أراده مؤلِّفه؛ يقف منه موقف الناقد، ومن كان كذلك لا بد أن تكون رُتبته في العلم فوق هذا الذي ألَّف الكتاب حتى يستطيع أن ينقده في المواطن التي أخطأ فيها؛ لذلك أنا لا أجيز أبدًا لطالب علم مبتدئ أن يتصدى لمثل هذا العمل، بل لا بد أن يتريث حتى يشعر بقرارة نفسه أنه يستطيع أن يخوض غمار هذا البحث.
-البيان: بتنا نلحظ في الآونة الأخيرة تطاوُل بعض المعاصرين على سُنة النبي # من الذين يردِّدون أباطيل المستشرقين بأن السُّنة النبوية لم تُحفظ كما ينبغي عبر الأجيال، ونحو ذلك من الآراء المنحرفة؛ يثيرون هذه الشبهات بقصد الطعن بالسُّنة النبوية؛ فما قول فضيلتكم بأمثال هؤلاء؟
(يُتْبَعُ)