وإن كنت أميل إلى الأول؛ فهذا هو شيخ الإسلام رحمه الله يقول: (أحاديث عذاب القبر، ومسألة منكر ونكير: فكثيرة متواترة) ، وبالقطع شيخ الإسلام رحمه الله لا يريد التقرير بقوله"مسألة منكر ونكير"أن الأحاديث الوارد فيها ذِكر التسمية أحاديث متواترة، وإنما يريد أن أصل السؤال، أحاديثه متواترة .. وهكذا ..
(محل بحث: التتبع الزمني لاستعمال عبارة:"مسألة منكر ونكير"أو"مساءلة منكر ونكير"أو نحوهما، مع ملاحظة السياق) .
ب- هناك فريق من أهل العلم مال إلى ضعف الأحاديث المنصوص فيها على التسمية، وذهبوا إلى أنَّ مدار الإثبات أو النفي على صحة الأخبار.
ج- إنَّ مسألة تسمية الملكين إثباتا أو نفيا، مسألة من مباحث علم الحديث والإسناد، والإجماع بالنفي أو الإثبات ينبغي أن يصدر من أهله، وفي هذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله، كما في"مجموع الفتاوى": (إذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به، فالاعتبار في ذلك: بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام: بإجماع أهل العلم بالأمر والنهى والاباحة) .اهـ.
ولم يصلنا - فيما أعلم - نص صحيح صريح يحكي إجماع أهل الحديث على تصحيح الأخبار المذكور فيها التسمية، ومَن ادَّعى ذلك فقد أبعد، ومن أمارات عدم ثبوتها لدى بعض الأئمة، إعراضهم عن تخريج أخبارها، كما فعل البخاري ومسلم في"صحيحيهما"، بل أعرض عنها أبوداود في"سننه"، والنسائي في"المجتبى"، وخرَّج الترمذي حديثا، ثم أعقبه بقوله:"حسن غريب"! ..
* كما أني لم أقف على نصوص صريحة من الأئمة الكبار الذين يُفزَع إليهم في تحقيق مسائل الإجماع والخلاف، في ثبوت الإجماع على تسمية الملكين بمنكر ونكير، وإنما هي بعض النصوص من بعض المتأخرين، الذين لا تَركن إليهم الهمَّة، ولا تسكن لهم النفس.
هـ- والذي أميل إليه أنَّ دعوى الإجماع في هذه المسألة دعوى غير دقيقة، والظن بمَن أطلقها أنه أراد نفي العلم بمَن يُعتبر خلافه. وإنْ قلنا هنا: المشهور الذي توارد عليه أهل العلم .. كذا وكذا، قلنا لا بأس حينئذ.
* وإذا كان معتمَد أهل السّنة في إثبات التسمية كما يقول السيوطي ما جاء في بعض الطرق، فلا تثريب على النافي حينئذ إذا لم تصح لديه هذه الطرق بعد البحث، واكتفائه بما ثبت في الصَّحيحين، من قوله صلى الله عليه وسلم:"مَلَكَانِ".. والله أعلم.
* وأخيرا: الذي أجزم به أن الكثير من النقول الواردة في أصل البحث القائم عليه هذا الموضوع قد زُجَّ بها زجا في غير موضعها، وفي بعضها الآخر تدليس على القاريء؛ ولظهور هذه المواطن أدع التعليق عليها.
وإنْ شاء الله تعالى في وقت سعة سأولِي هذه المسألة العناية، وأفردها بدراسة وافية، والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.