السبب في ذلك هو أن العلماء هم صفوة الأمة، وخيارها، وقدوتها، وأحمدها سيرة، فإذا وقع منهم خطأ كان واضحا جليا؛ لأنه بمثابة النقطة السوداء في صفحتهم، قد يقصر العالم ولكن هل يعني تقصيره أن نترك علمه وعمله؟!
وما مثل العالم إلا كمثل الثوب الأبيض، إذا أصابته نقطة -مهما كان صغرها- برزت فيه وظهرت، ومن هنا وجب على العلماء أن يتنبهوا لذلك الأمر؛ بأن يتفقدوا أنفسهم، ويتفطنوا لأعمالهم وتصرفاتهم وأقوالهم، كما وجب -كذلك- على الناس ألا يضخموا هفوات علمائهم، ولا ينفخوا فيها.
خامسًا: احذر من الذم الذي يشبة المدح.
بعض الناس يسهب في الثناء على شيخ من المشايخ، ويخلع عليه من نعوت الفضل وألقاب التوقير شيئا كثيرا، ثم يقول -مثلا-: (لكن الشيخ حبيب) أو طيب القلب، وهو يقصد أنه قد يستغفل، أو غير ذلك من الأساليب المغلفة بغلاف المدح، وهي للتنقص، وإن على هؤلاء الذين يستخدمون هذه الأساليب، أن يخافوا الله ويتقوه، وأن يدركوا خطورة ما يقولون، وأن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، وأن يعتذروا ممن انتقصوه.
سادسًا: أن من أساء الأدب مع العلماء فسيلقى جزاءه، عاجلا أو آجلا.
قال الإمام الذهبي في ترجمة ابن حزم:"وصنف كتبا كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقته".
والواقع يشهد أن الذي يسب العلماء، ويتجرأ عليهم، يسقط من أعين العامة والخاصة.
ويقول الحافظ ابن رجب:"والواقع يشهد بذلك، فإن من سبر أخبار الناس وتواريخ العالم وقف على أخبار من مكر بأخيه، فعاد مكره عليه، وكان ذلك سببا لنجاته وسلامته". أي: سببا لنجاة الممكور به وسلامته.
سابعًا: على العلماء وطلاب العلم.
الذين يبتلون بالتعرض للطعن وكلام الناس فيهم عليهم أن يصبروا ويتقوا الله، وأن يعلموا أنهم ليسوا أفضل من الأنبياء والمرسلين، فالرسول r لم يسلم من الكلام فيه، وطعن حتى في أهله؛ في حادثة الإفك. فللعلماء أسوة في رسول الله r فليقتدوا به، وليعلموا أن العاقبة للمتقين، قال تعالى: (قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ( [47] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=3#_ftn47 ) ) وقال -جل وعلا- عن موسى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ( [48] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=3#_ftn48 ) ) وقال -سبحانه-: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) ( [49] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=3#_ftn49 ) ) .
ولست بناج من مقالة طاعن
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما
ولو كنت في غار على جبل وعر
ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر
ثامنًا: احذر من التعميم.
إن قضية التعميم في الأحكام قضية خطيرة جدا، وقد وقع كثير من الناس في هذه الظاهرة التي تدل على قلة الوعي وعدم الإنصاف، ترى أحدهم يقول: العلماء فعلوا، والعلماء قالوا، والعلماء قصروا، والعلماء غلطوا -بهذا التعميم-، والتصرف السليم أن يعمم في الخير، ولا يعمم في الشر، ومن فضل الله -تعالى- أن الرحمة تعم كالمطر، والعقاب يخص ( [50] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=3#_ftn50 ) ) ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) ( [51] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=3#_ftn51 ) ) .
ومن كرمه سبحانه أن الرحمة تشمل خليط الأخيار -وإن لم يكن منهم-:"هم القوم لا يشقى بهم جليسهم"ولقد اطلع الله على أهل بدر فقال:"اذهبوا مغفورا لكم"متفق عليه، وأما العقاب: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ( [52] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=3#_ftn52 ) ) .
تاسعًا: أخيرا أقول للمتحدثين في العلماء.
اتقوا الله، توبوا إلى الله، أنيبوا إلى الله، أثنوا على العلماء بمقدار غيبتكم لهم، وإلا فأنتم الخاسرون، والعاقبة للمتقين، وما مثلكم إلا كما قال الأول:
كناطح صخرة يوما ليوهنها
(يُتْبَعُ)