فإذا قضى مهمته في هذه القرية بعد سنة أو سنتين، يتفق مع أهل قرية أخري ويتخذ الليل جملًا ويمشي ليلًا ويدخل هذه القرية ويحبس نفسه اختيارًا في بيت من هذه البيوت ويعلِّم أطفال القرية اللغة والقرءان والسنة، فإذا قضى مهمته ذهب إلى أهل قرية أخرى وهكذا، قضى ستين سنة من عمره، لو عندنا مائة مثل هذا الرجل لفتحنا الدنيا، لماذا؟ لأنه كان يحمل همًا، لم ينظر إلى مجده الشخصي، إنما كان ينظر إلى محنة أمته، لذلك هان عليه أن يحبس نفسه في الوقت الذي يستمتع فيه الملايين بالحياة، لا يفعل هذا إلا الحب، ,أنظر إلى أبي الشيص وهو أحد الشعراء المجيدين في الكلام في الحب يقول:
وقف الهوى بي حيث أنتَ
فليس مُتَأَخرٌ عنهُ ولا متقدمُ
وأهنتني فأهنتُ نفسيَ جاهدًا
ما من يهون عليك ممن يُكرَمُ
أشبهتَ أعدائي فصِرتُ أُحِبهم
إذ كان حظي منك حظي منهمُ
أجدُ الملامة في هواك لذيذةً
حبًّا لذكرك فليلمني الّلوَمُ
يقول: وقف الهوى بي حيث أنتَ.
أي أنت منتهي أملي ليس لي أمل بعدك، فليس مُتَأَخرٌ عنهُ ولا متقدمُ.
وأهنتني فأهنتُ نفسيَ جاهدًا.
يقول له: أنت يا حبيبي أهنتني ولأنني أحبك رأيت أهانتك لي عزًا لي، فأهنت نفسي أنا الآخر، وأهنتني، طبعًا لم يغضب لأن المحب إذا غضب من حبيبه نقصت محبته، حتى يرى كل فعل حبيبه جيدًا.
أشبهتَ أعدائي فصِرتُ أُحِبهم
إذ كان حظي منك حظي منهمُ
العدو يهينك، عدوك لا يكرمك إنما يجدَّ في إهانتك، فيقول له: أهنتني وصرت مثل أعدائي، فمن حبي لك أحببت أعدائي، تجد حبًا أكثر من هذا
أشبهتَ أعدائي فصِرتُ أُحِبهم
إذ كان حظي منك حظي منهمُ
وهو الإهانة.
أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةً
حبًّا لذكرك فليلمني الّلوَمُ
يلومونني أنني ملتزم هذا شرف لي، هذا ليس بعار، والحجاج بن يوسف الثَقفي زمان لأما أرسل إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، أرسل إليها فلم تذهب إليه، وأنتم طبعًا أكيد قرأتم الفتنة التي حدثت بين عبد الله بن الزبير، وبين عبد الملك بن مروان، والقصة التي حدثت قتل عبد الله بن الزبير وصلبه الحاج بن يوسف الثقفي على مدخل المدينة، فكان الحجاج إذا أراد أن يُعيَّر بن الزبير وأن يشتمه، فكان يقول له: يا ابن ذات النطاقين، هل هذه حاجة بها عار، هذا شرف، فكان عبد الله بن الزبير يقول له: (تلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها) ، أي مثل هذا لا يُعيَّر به، مثل هذا شرف أن تكون أمي هي ذات النطاقين.
من الشرف أن تنتسب إلي السنة.
قديمًا كانت اللحية غريبة في بلاد المسلمين، كنا نمشي في الشوارع عندما يريد أحدُهم أن يستهزئ بنا ينادي ويقول: يا سني، فهل يا سني عيب؟ هذا شرف أن ينسبك إلى السنة، لما يقول لك يا سني كأنه يستهزئ بك كما كان الحجاج يُعيِّر عبد الله بن الزبير ويقول له: (يا ابن ذات النطاقين) .
فأنا أريد أن أقول: الحبّ أول ركائز العبودية.
ركيزة العبودية الثانية: أن تَذل، وكلاهما مرتبط ببعض ارتباطًا وثيقًا لا انفكاك منه إطلاقًا، لأن المحب ذليل بطبعه، وتعرف كلما ازداد حبك كلما استطعمت الذل،أشرف ما فيك هذا أي _الأنف_ أبرز ما في الوجه ومأخوذ منه الأنفة.
والأنفة: الكِبر والعز، وأنت لما تريد أن تقول أنك أذللت أحد تقول أنا أنزلت أنفه إلى الأرض، أنفك هذا الذي هو أشرف ما في الوجه وكذلك الجبهة، أنت عندما تسجد تضع أشرف ما فيك مكان نعلك ونعال الناس أنت عندما تسجد في المسجد، والمسجد هذا وطأته الأقدام، أعلى ما فيك وأشرف تضعه في الأرض مكان نعال الناس.
حقيقة الذلّ.
وهذا هو حقيقة الذل ولذلك ربنا- سبحانه وتعالي- قال:? وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ? (العلق:19) ، أي كلما ذللت كلما اقتربت، وقال- صلى الله عليه وسلم-:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، وكما قلت لكم هذا عنوان الذل، أنظر كيف رفعك إلى أسمى مقامات الحب. ? وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ?، أي كلما نزلت علوت.
فالذلّ والحبّ يتناسبان تناسبًا عكسيًا.
كلما نزلت إلي أسفل كلما ارتفعت , وكلما ارتفع المرء إلى فوق كان مذكورًا في الملأ الأعلى، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- الذي يرويه سهيل بن أبي صالح عن أبيه أبي صالح واسمه زكوان.
(يُتْبَعُ)