فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إِذَا جَاءَت (أَو) بِمَعْنَى الْإِضْرَاب فَتَكُوْن بِمَعْنَى بَل،وَسُمِّي إِضْرَابَا لِأَنَّك أَضْرَبْت عَن الْكَلَام الَّذِي قَبْلَهَا وَأَثْبَت الْكَلَام الَّذِي بَعْدَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَي:? وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? (النحل:77) .
(أو) هنا بمعنى بل، ? وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ? كَأَنَّه قَال: لَا، لَا، أَضْرِب عَن هَذَا الْكَلَام، أُتْرُكَه بَل هُو أَقْرَب مِن لَمْح الْبَصَر، فَنَكُوْن أَثْبَتْنَا مَا بَعْد أَو، وَتَرَكْنَا مَا قَبْلَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى أَيْضا? وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ? (الصافات:147) ، أَي بَل يَزِيْدُوْن فَهُنَا فِي هَذَا الْحَدِيْث:"كُن فِي الْدُّنْيَا كأنكَ غَرِيْبٌ أَو عَابِرُ سَبِيِل"
وَجْه الْدَّلَالَة: كَأَنَّمَا قَال لَه: لَا، لَا لَا تَكُن غَرِيْبا، رَجَعَت عَن هَذَا الْكَلَام بَل كُن عَابِر سَبِيِل حَتَّى تَنْجُو مِنْهَا, لِأَن الْغَرِيْب قَد يَأْنَس فِي دَار الْغُرْبَة وَأَنْتُم جَمِيْعا غُرَبَاء،لَيْس هَذَا هُو مَوْطِنُكُم الْأَصْلِي، وَمَع ذَلِك أَنِسْتُم، وَجَدْتُم أَصْدِقَاء جُدُدا وَجِيْرَانًا وَأَحْبَابًّا أَنْسَوْكُم أَحْبَابَكُم فِي بِلَادِكُم الْأَصْلِيَّة،تَعِيْشُوْن فِي أُنْس وَسَلَام وَوَدَاع، بَل قَد يَكُوْن بَعْضُكُم أَسْعَد حَالًا هُنَا فِي دِيَار الْغُرْبَة مِن حَالِه فِي بِلَادِه الْأَصْلِيَّة.
الْأُنْس فِي الْدُّنْيَا وَمَضَارِّه عَلَي الْإِنْسَان وَالْمَخْرَج مِن ذَلِك.
وَالْأِنْس فِي الْدُّنْيَا مَمْنُوْع لِأَنَّك إِذَا أَنِسَت رَكَنَت، وَإِذَا رَكَنَت هَلَكْت
الْمَخْرَج: لَا تَكُن غَرِيْبا فَتَأْنَس فِي دَار الْغُرْبَة، بَل كُن عَابِر سَبِيِل عَابِر الْسَّبِيل رَجُل لَا وَطَن لَه وَلَا بَلَد، وَلَا بَيْت، يَحْمِل خَيْمَتِه عَلَى كَتِفِه، وَيحْمَل زَادَه عَلَى كَتِفِه الْآَخِر، وَلَه غَايَة يُرِيْد أَن يَصِل إِلَيْهَا فَيَمْشِي طِيْلَة الْنَّهَار فَإِذَا جَاء الْلَّيْل عَرَّس وَنَصَب خَيْمَتَه وَنَام، فَإِذَا أَصْبَح الْصَّبَاح جَمْع خَيْمَتِه وَحَمَلَهَا عَلَى كَتِفِه وَحَمَل زَادَه عَلَى الْكَتِف الْأُخْرَى وَوَاصَل الْسِيَر إِلَى غَايَة هُو يُرِيْدُهَا.
فَيَا تُرَى أَيأنَس عَابِر الْسَّبِيل بِشَيْء؟
لَا يَأْنَس بِشَيْء أَبَدا إِلَا إِذَا وَصَل إِلَى مَوْطِنِه الْأَصْلِي الَّذِي يُرِيْدُه، أَو هَدَفُه الَّذِي يُرِيْدُه ,إِذَا أَرَدْت أَن تَصِل إِلَى الْجَنَّة بِسَلَام فَلَا بُد أَن تَتَجَاوَز عَقْبَة الْدُّنْيَا.
نَحْن مَعَاشِر الْمُسْلِمِيْن مَا الَّذِي نُرِيْدُه فِي نِهَايَة الْشَّوْط؟
نُرِيْد أَن نَدْخُل الْجّنة إِذَا أَرَدْت أَن تَصِل إِلَى الْجَنَّة بِسَلَام فَلَا بُد أَن تَتَجَاوَز عقْبَة الْدُّنْيَا، وَلَا يُمْكِن لَك أَن تَتَجَاوَز هَذِه الْعَقَبَة إِلَا إِذَا كُنْت مِن أَهْل الْيَقَظَة، وَدَعُوْنِي أُفَسِّر لَكُم مَا مَعْنَى الْيَقْظَة؟
الْنَّاس أَمَام الْيَقَظَة نَوْعَان:-
نَوْع يَقِظ فِي الْدُّنْيَا: أَزَال الْلَّه عَن عَيْنَيْه غِشَاوَة حَب الْدُّنْيَا فَهُو يَعِيْش فِيْهَا لَكِنَّه يَنْظُر إِلَى الْآَخِرَة.
وَرَجُل آَخَر يَسْتَيْقِظ فِي الْوَقْت الْضَّائِع: حَيْث لَا تَنْفَعُه الْيَقَظَة، كَمَا قَال تَعَالَي فِي هَذَا الْصِّنْف:? لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ? (ق:22) ، وَهَذَا يُقَال لِأَهْل الْغَفْلَة فِي الْدُّنْيَا الَّذِيْن عَاشُوْا لِمُتَع الْدُّنْيَا، فَإِذَا مَات أَبْصَر الْحَقِيقَة وَعَرَف أَنَّه كَان مُغَفَّلًا وَكَان أَعْمَى ? لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ? الَّذِي تَرَاه الْآَن، مُنْكَر وَنَكِيْر وَعَذَاب الْقَبْر إِلَى آَخِرِه، فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك لَمَّا تَرَكَت الْدُّنْيَا، ? فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ?
(يُتْبَعُ)