فهرس الكتاب

الصفحة 1786 من 20085

وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة في الحديقة، قال البراء بن مالك: ضعوني في الترس وألقوني إليهم، ففعلوا وألقوه وفتح الباب ودخل المسلمون، وقتل رضي الله تعالى عنه، فهجم على العدو وحده، وكان الموت متحققًا عنده، وهذا لا حرج فيه إن شاء الله.

وقال محمد بن الحسن الشيباني، كما في تفسير القرطبي أيضأً: (لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسليمن من بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة السلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان في نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} .

إذن في هذه النقول، وقبلها النصوص من فعل الصحابة ومما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها جواز أن يحمل الرجل الواحد على العدو، وإن تحقق موته إن ترتب على ذلك منفعة معتبرة للمسلمين، وأما إن لم تتحقق المنفعة للمسلمين فهذا تهور ولا يجوز.

والجهاد قسمان؛ جهاد طلب وجهاد دفع،وجهاد الطلب لا بد فيه من إمام ومن أمير حتى يحصل ترتيب للجهاد، أما في الدفع فلا يحتاج إلى إذن الإمام.

وإن كان الجهاد جهاد دفع وقام البعض بذلك، فكان شيخنا رحمه الله تعالى، يشترط المشورة، وألا يكون ذلك على وفق أن يركب الرجل رأسه، وإنما ينبغي أن يكون ذلك وفق خطة، وهذه الخطة لا بد فيها من مشورة وتخطيط، أما أن يقوم كل على وفق رأسه في جهاد الدفع، فلا.

ثم لا بد أن يترتب على ذلك مصالح معتبرة، وازدحام المصالح والمفاسد في المحل الواحد هذا الأمر يسبب الخلاف في كثير من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء اختلافًا معتبرًا، فهذه المسألة تختلف المصالح والمفاسد فيها، باختلاف وجهات النظر، فمن غلب المفاسد فمنعها فلا يقال عنه خائن، ولا يقال عميل، فالمصالح والمفاسد أمرها شائك في هذا الأمر.

وعلى طلبة العلم أن يحفظوا هذه القاعدة التي قررها الشاطبي رحمه الله تعالى، في كتابه الموافقات (جـ5/ 114) وهي قاعدة مهمة ينتبه إليها الموفق، قال: (( محال الاجتهاد المعتبر هي ما تردد بين طرفين وضح في كل واحد منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر، فلم تنصرف البتة إلى طرف النفي، ولا إلى طرف الإثبات ) )، فالعمل لم يظهر فيه نفي ولا إثبات فيظهر فيه خير وشر، ومنفعة ومضرة، فلما تزدحم فهذا الازدحام من مجال الاجتهاد المعتبر.

وهذه العمليات نرجو الله عز وجل أن يتقبل أصحابها ولا يجوز لأحد أن يحكم عليهم بخسران أو بضلال،هذا خطأ، ولا يجوز أيضًا لأحد أن يجزم لهم الجنة، إنما نقول: المرجو من الله عز وجل أن يتقبلهم، وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير باب رقم 77 قال: (( باب لا يقال فلان شهيد، فيحرم على الواحد منا أن يجزم بالشهادة لأي كان ) )وقد ألف يوسف بن عبدالهادي المعروف بابن المبرد كتابًا ما زا ل محفوظًا في المكتبة الظاهرية وهذا الكتاب عنوانه"حرمة الجزم للأئمة الأربعة بأن لهم الجنة"فلا يجوز للواحد منا أن يقول عن أحد الأئمة الأربعة أنه في الجنة كأبي بكر وعمر والعشرة المبشرين بالجنة، لكن لا يلزم من هذا أن نقول إنهم هالكون معاذ الله، هم أئمة الدين وأهل الورع والتقى، والواجب علينا أن نقول: الظنون والمرجو من الله عز وجل أنهم من أهل الجنة، لكن لا يجوز أن نجزم لأحد لم يقم نص عليه بعينه أنه من أهل الجنة.

وقد قص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة فيها عبرة لمن يعتبر: (( قال رجل لآخر: إن الله عز وجل لم يقبل عملك، فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي: {قل له إن الله قد قبل عمله وأحبط عملك} ، فلا يجوز لأحد أن يقول: الله يقبل من فلان، ويرد عمل فلان، لكن هل يوجد شجاعة وجود أكثر من أن يجود الرجل بنفسه؟ لا والله لا نعلم جودًا أكثر من هذا، فالمرجو من الله عز وجل أن من قام بهذا أن يتقبله الله، وبعد ذلك ومع ذلك وقبل ذلك الأمر بيد الله، والله عز وجل هو اعدل العادلين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت