فهرس الكتاب

الصفحة 18302 من 20085

3ــ وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق؛ وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة، إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع، فإذا اجتمعت فتارة تجتمع منها اثنتان، وتارة تجتمع الثلاث، فالجميع أربعة أنواع:

1ــ الجهل بأدوات الفهم.

2ــ الجهل بالمقاصد.

3ــ تحسين الظن بالعقل.

4ــ اتباع الهوى.

فلنتكلم على كل واحد منها وباللّه التوفيق.

(النوع الأول) : إن اللّه عز وجل أنزل القرآن عربيًا لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، قال اللّه تعالى: {إنَّا جعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا} (1) ، وقال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبيًا غَيْرَ ذِي عِوَجِ} (2) .

وكان المنزل عليه القرآن عربيًا أفصح من نطق بالضاد وهو محمد بن عبد اللّه (، وكان الذين بعث فيهم عربًا أيضًا، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم، فليس فيه شيء من الألفاظ والمعاني إلا وهو جارٍ على ما اعتادوه، ولم يداخله شيء بل نفى عنه أن يكون فيه شيء أعجمي فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَم أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ: بِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمىٌّ، وَهذَا لِسَانٌ عَرَبىٌّ مُبينٌ} (3) .

وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب اللّه تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها.

فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أُصولًا وروعًا أمران:

(أحدهما) : أن لا يتكلم في شيءٍ من ذلك حتى يكون عارفًا بلسان العرب.

(الثاني) : أنه إذا أشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية فقد يكون إمامًا فيها، ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات، فالأولى في حقه الاحتياط، إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصة حتى يسأل عنها.

(النوع الثاني) : أن اللّه تعالى أنزل الشريعة على رسوله (فيها تبيان كل شيءٍ يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها، وتعبداتهم التي طُوقُوها في أعناقهم، ولم يمت رسول اللّه (حتى كملَ الدين بشهادة اللّه تعالى بذلك حيث قال تعالى: {الْيوْمَ أكْمَلْتُ لكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ علَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا} (1) ، فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كُذِّب بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} .

فعلى الناظر في الشريعة أمران:

(أحدهما) : أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان، ويعتبرها اعتبارًا كليًا في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها البتة، لأن الخروج عنها تيه وضلال وَرَميٌ في عماية كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟ فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق والمنحرف عن الجادة إلى بُنَيَّاتِ الطرق.

(والثاني) : أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادي الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن اللّه قد شهد له أن لا اختلاف فيه.

(النوع الثالث) : أن اللّه جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون؟ هذا وجه، ووجه آخر:

وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه، فما ادَّعى علمه لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها، لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال.

فالإنسان ـ وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علمًا ـ لا يأتي عليه الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كل أحد يشاهد (ذلك) من نفسه عيانًا، ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم فكيف يصح دعوى الاستقلال في الأحكام الشرعية ـ وهي نوع من أنواع ما يتعلق به علم العبد؟ لا سبيل له إلى دعوى الاستقلال البتة حتى يستظهر في مسألته بالشرع ـ إن كانت شرعية ـ لأن أوصاف الشارع لا تختلف فيها البتة، ولا قصور ولا نقص، بل مباديها موضوعة على وفق الغايات، وهي من الحكمة.

(النوع الرابع) : أن الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا للّه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت