فهرس الكتاب

الصفحة 19112 من 20085

وإن الإكثار من الوعظ والإرشاد، والتزامه عادةً يوميةً لا ينفكُّ عنها المرء= مثيرٌ ولا بد لتلك المشاعر، ومبعدٌ لاحتمال وقوع ذلك الوعظ موقعَه في النفوس، ووصولِ أثره فيها، ومحدثٌ عدم المبالاة به، وعدم الاستفادة منه؛ لكثرة عَوْدِهِ وتكراره وترداده.

المفسدة الثالثة: إفساد صلاة المصلين والتشويش عليهم:

فإنه يكون في المسجد -ولا بد- من تفوته الصلاة أو بعضها، فيقوم يقضي ما فاته؛ يقلُّ أولئك ويكثرون، ويكون في المسجد من يستأنف الصلاة جماعةً ثانية.

ولا شك أن رفع الصوت بالوعظ والتذكير والإرشاد مشوِّش على أولئك، ومفسدٌ عليهم صلاتهم، خاصةً إذا كان فاعل ذلك يستخدم مكبرات الصوت في المسجد (وهذا المعمول به في الأغلب الأعم) .

وللنهي عن ذلك أصل شرعي أصيل، هو ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بمَ يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» ، أخرجه مالك وغيره.

قال ابن عبدالبر: «وكان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمعهم لها، إلا ... أنه صلى بهم ليلة وثانية وثالثة، ثم امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرض عليهم» ، فكان الناس يصلون فرادى، فيرفع كلٌّ منهم صوته بالقرآن، فنهاهم عن ذلك.

ورافع الصوت هاهنا إنما يرفعه بتلاوة القرآن، وإنما هو داخلٌ في الصلاة، إلا أن الشارع لم ينظر لذلك، ونهى عن رفع الصوت، وخلط قراءة بعض الناس على بعض؛ احترامًا للصلاة، وتعظيمًا لقدرها، وحفظًا لحق المصلين في الاتصال بالله -عز وجل- في صلاتهم دون تشويش.

وإذا كان النهي واردًا على من كان يرفع صوته بالقرآن، وهو في الصلاة، فكيف بمن لم يكن يصلي، وكان يتحدث بغير القرآن؟

قال ابن عبدالبر: «وإذا لم يَجُز للتالي المصلي رفعُ صوته؛ لئلا يغلط ويخلط على مصلٍّ إلى جنبه؛ فالحديث في المسجد مما يخلط على المصلي أولى بذلك وألزم، وأمنعُ وأحرم» .

ومن مَحَالِّ التأمل في هذا الحديث: أن النهي توجَّه إلى من كان يشوش على أحد المصلين إلى جنبه، فدلَّ على أن الشرع يراعي حرمة صلاة المصلي ولو كان واحدًا، ولا يلزم لمراعاة ذلك أن يكونوا كثرةً ما دام الأصل وجود المصلين.

وقد روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها، يُغلِّط أصحابَه وهم يصلون، أخرجه أحمد وغيره.

المفسدة الرابعة: شغل الوقت بغير ما شغله الشرع:

وذلك أن الوقت المعاقب للتسليم من الصلاة مشغولٌ شرعًا بالذكر والدعاء، والتسبيح والثناء.

قال ابن عباس -وقد ذكر أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم-: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» ، أخرجه البخاري.

ومقدار الذكر الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عقب الصلاة مباشرة يستغرق وقتًا، وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- الانشغال في ذلك الوقت بالذكر دون غيره، فإبداله بغيره، أو التشويش على من يفعله -متابعًا للنبي صلى الله عليه وسلم- مخالفةٌ للسنة، وإلهاءٌ عنها.

وربما انشغل الناس بسماع الحديث والوعظ، فنسوا أذكار الصلاة، وخرجوا تاركيها، وهي ألزم وأولى بالعناية والرعاية؛ لثبوتها وثبوت فضلها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

المفسدة الخامسة: إيهام لزوم الوعظ، وتشبيه غير الراتبة بالراتبة:

فإن هذا الالتزام التام بالتذكير اليومي عقب إحدى المكتوبات موهمٌ -ولا بد- بأنه من أصول الشريعة، ومن ألزم الواجبات.

وهذا التذكير -في الأغلب الأعم- موجَّهٌ إلى عوام المسلمين، وغيرِ أهل الشريعة منهم، وهؤلاء أقرب إلى توهُّم ذلك الأمر من غيرهم؛ لقلة علمهم.

وفضلًا عن الإيهام، فإن في ذلك الالتزام تشبيهًا للراتبة بغير الراتبة، ومساواةً بين ما دل الشرع على تكراره والمداومة عليه بما ليس له من ذلك في الشرع أصل، قال ابن حجر -في الكلام على حديث التخوُّل بالموعظة-: «وأخذ بعض العلماء من حديث الباب: كراهة تشبيه غير الرواتب بالرواتب، بالمواظبة عليها في وقت معين دائمًا» .

وهذه المفسدة -كالمفاسد الأخرى- حاصلةٌ واقعةٌ، وليست متوهَّمة أو مُتَخوَّفة، فإن كثيرًا من العوام ينكر على من يترك ذلك، ويطالبه به، وربما ألحَّ في طلبه، بل تعدَّى ذلك إلى جعله منهجًا للسلف كابرًا عن كابر، والتغليظ على من ينكره؛ فقد قال بعضهم -حين أثير الكلام حول هذا الأمر، وذُكر أن التزام الوعظ يوميًا ليس من السنة-: «بناء على فتوى هذا المتفيقه؛ فإن السلف كابرًا عن كابر ليسوا على السنة» !!

المفسدة السادسة: امتهان الوعظ والإرشاد، وذهاب أثره:

فإنه ما من أمر -في الأغلب- يعاد ويكرر ويردَّد كل يوم؛ إلا ويبلى ويذهب أثره، ويُمتهن في النفوس، ولا يُعبأ به.

ومن ذلك: وقوع أثر الوعظ والإرشاد في نفوس الناس، وانطباع معاني التذكير الشرعي في قلوبهم، وانقلابها عندهم من قول إلى عمل، فإن كل ذلك يزول بكثرة ترداده وتكراره، ولا يكون إلا عادةً من العادات التي تهمهم لها الألسن، وتهتز لها الرؤوس، لكنها لا تترك أثرًا، ولا تُغيِّر منهجًا، ولا تردع عن خطأ.

وتعظم هذه المفسدة إذا كان الموعوظ به: حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآثاره وسنته -كما هو حاصل في كثير من المساجد-، فإن جعلها وردًا يوميًا لا يُتَحَوَّل عنه يُذهب هيبتها، وينتقص قدرها الذي حفظه لها السلف الكرام، حيث كانوا يتهيَّبونها ويعظَّمونها، ويتزيَّنون لمجالسها، وربما خشعوا لها، وبكوا عند سماعها.

هذا فضلًا عن اشتباه بعض الأحاديث على العوام، وفهمهم لبعضها فهمًا خاطئًا؛ حيث تُقرأ عليهم مجردةً عن أي شرح أو تفسير أو بيان، وفضلًا عن إلقاء الأحاديث الضعيفة والمنكرة، ونشرها دون معرفة بموقعها من حيث الصحة والضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت