فهرس الكتاب

الصفحة 19194 من 20085

وتترك مشتهياتِك، وتصبر على مكروهاتك. علمًا منك تدخر ثوابك لدينا إن كنت معاملًا بأنك أجير وما غربت الشمس فإن كنت محبًا رأيت ذلك قليلًا في جنب رضي حبيبك عنك. وما كلامنا مع الثالث]

العبارات فخمة, والكلام جليل, وفيه غموض كما قلتُ لكم, فإنه يلف الكلام لفًا وهذا الكلام إنما يرجع إلى آيات وإلى أحاديث وإلى وقائع.

وآخذ الخيط من آخر كلامه _رحمه الله_, يقول (وما كلامنا مع الثالث ... ) إذًا هذا الخاطرة, بها اثنين, والثالث أبى أن يخاطبه.

أما الأول: فهو المحب, وأما الثاني: فهو الأجير, وأما الثالث: الذي أبى أن يخاطبه فهو: العاصي. يقول أنا كلامي لن يجد عند أصحاب الهوى وأصحاب العصيان محلا, ولن يجد آذانا صاغية. إنما أنا أتكلم عن المحب أولا, ثم أتكلم عن الأجير, لأن الأجير ما عمل إلا ليأخذ الأجرة, أما العاصي فإنه اتبع هواه, خسر الدنيا والآخرة, هذا أنا لا أتكلم معه, إنما أتكلم مع الصنفين الأولين.

الصنف الأول: وهو أعظم هذه الأصناف وأفضلهم على الإطلاق هو: المحب, والمحب لا يشعر بشيء إطلاقًا من الكلفة في فعل الطاعة, لأنه محب, ولأهل الحب قانون, يلامون دائما, فكلما قويت محبته كان أصم, لا يأخذ إلا من حبيبه فقط. فإذا كان يحب الله _عز وجل_ ويحب رسوله ? المحبة الواجبة فإنه لا يصغي أبدا لأي مخالف لهما مهما رموه, بالألقاب المستشنعة المستبشعة التي تدور اليوم بين الناس, ويرمون بها أهل الالتزام, فإنهم يعرفون طريقهم جيدًا, حددوا هدفهم, وعرفوا أين مصدر التلقي, فلم يسمعوا إلا منه,:

كما قال القائل:

وهان عليَّ اللومُ في جنب حبها

وقولُ الأعادي إنه لخليعُ

أصمُ إذا نوديتُ باسمي وإنني

إذا قيل لي يا عبدَها لسميع

يريد أن يقول: أنا لا أتلقى إلا من جهة الحب, (أصمُ إذا نوديتُ باسمي) : يريد أن يقول: أنا هنتُ على نفسي, فلم أتبع هواي, حتى إذا قالت لي نفسي افعل فأنا أصم لا أسمع. (أصمُ إذا نوديتُ باسمي وإنني إذا قيل لي يا عبدَها) , يا عبدها, وهذا أذل الألقاب لقب العبد, ولذلك لا يشرف المرء في الدنيا إلا إذا كان عبدا لربه,.

والعبودية: هي كمال الذل مع تمام الحب:

ولذلك قال الله عز وجل ? وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ? (سُورَةُ العَلَقِ: 19) , اسْجُدْ: هذا السجود تضع أشرف ما فيك وأعلى ما فيك تضعه موضع نعلك وموضع نعال الناس فكلما سجدتَ أي كلما ذللتَ اقتربت, كمال الذل هو الذي يعطيك شرف العبودية, العبودية لغير الله هو الذل الحقيقي المزعج, إنما الذل لله عز وجل شرف لأنه عصب العبودية, فترى الكافرين عندما نزلت أواخر سورة النجم أبى بعضهم أن يسجد, قال: والله لا تعلوني إستي أبدا, رفض أن يسجد, ورأى هذا عارا وشنارا, قُتل هؤلاء جميعا على الكفر,.

لكن العبودية _أن الإنسان يقول أنا عبد_ فيه كمال الذل وتمام الحب, فإذا كان لله عز وجل كان تمام العز, وإذا كان لغير الله كان هو الذل بعينه,.

ومع ذلك يقول:

أصمُ إذا نوديتُ باسمي وإنني

إذا قيل لي يا عبدَها لسميعُ

وقال الآخر _وهو يبين مرتبة الحب وصنيع المحب_ يقول:

ولو قيل طأ في النار أعلمُ أنه

رضي لك أو مدنٍ لنا من وصالك

لقدمتُ رجلي نحوها فوطئتُها

سرورًا لأني قد خطرتُ في بالك

أي لو قيل له: ضع قدمك في النار _لكن أعرف أولًا قبل أن أضع قدمي في النار أن هذا يقربني من وصالك_ أنا سأتقدم وسأضعُ قدمي في النار, وشرف لي أن أخطر ببالك.

فهذه المعاني تنتزع ويُقصد بها محبة الله عز وجل أن يكون العبد مذكورا عند الله, أنا لو أعلمُ أنني إذا وطئتُ في النار كان وصالًا لربي _تبارك وتعالى_ سأقدمُ رجلي لأنه شرف لي أن أكون مذكورا عنده,.

لذلك أُبي بن كعب ت عندما قال له النبي ?"إن الله أمرني أن تقرأ عليَّ سورة البينة"فقال أُبي:"يا رسول الله: وسماني لك", قال"نعم", فبكي أُبي, أُبي عبدٌ يمشي على الأرض بقدميه, عندما يقول الله عز وجل للنبي ?: مُرْ أبيًا, يا له من شرف بالغ أن يكون عبد مذكورًا عند ملك الملوك على الحقيقة, ليس عند ملك من أهل الأرض ولا حتى ملك الأرض كلها, عند ملك الملوك.

وفي صحيح مسلم من حديث سُهيل بن أبي صالح, قال: كنا في الحج, وإذا الناس يقومون _يقفون_ عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين كان يمر, الناس كلها وقفت وقالت: أمير المؤمنين أمير المؤمنين. فسُهيل بن أبي صالح سأل أباه أبا صالحٍ واسمه زكوان, قال: يا أبتِ أرأيت حب الناس أمير المؤمنين, قال: يا بني إن أبا هريرة حدثني أن رسول الله ? قال"إذا أحب الله عبدا نادي جبريل, فقال: يا جبريل إني أحب فلان ابن فلان فأحبه فيحبه جبريل, ثم ينادي في أهل السماء: يا أهل السماء إن الله يحب فلان ابن فلان فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القبول في الأرض.", فعندما يكون العبد مذكورًا عند الله _عز وجل_ هذا شرف بالغ.

فالله أسأل أن يجعل ما قلته لكم زادا ً إلى حصن المصير إليه وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت