عبثا يحاول التنويريون أن يظهروا عدم قدرة الخطاب الشرعي القائم على معالجة مشكلات العصر الجديدة، ودأبوا على وصم رجالات الخطاب بالتعلق في ركب السلطة والولاء التام للحاكم وهذه هي أس المعادلة وحرف المسألة، فلتكون متسقا مع ذاتك، صاحب أطروحات مقنعة لغيرك؛ تحدث بإسهاب عن نقائص الآخرين، لا بقصد معالجتها بل لإسقاطها، وإلا فما الداعي لظهور خطاب جديد، وأوضِّحُ الصورةَ في مثال واقعي:
النُّشَطاء السياسيون الذين دأبوا على نقد السلطة لم يمسهم النقد الجذري إلا بعد ولوجهم مغاراتٍ مظلمةٍ من إسقاط الحديث المتواتر إذا كان متضمنا طاعة السلطان، والسخرية بفقه السلف، ونبز المعاصرين من علماء الشريعة بأحط الأوصاف، ولو أنهم وقفوا على حدود نقد الظلم، والمطالبة بالحقوق، وتساوي الفرص، لاعتبرناهم مكمِّلين للنقص الطبيعي في أي خطاب، قائمين بفرض كفائي مشكور، المعضلة أنهم تركوا هذا الواجب وانهمكوا في التهكم في واجبات كفائية أخرى، أعلم جيدا أن الوقوف من أجل الإصلاح السياسي قيمة شرعية معتبرة، لكني موقنٌ أيضا أنَّ هذه الوظيفةَ محفوفةٌ بالمخاطرِ فلا يصمد لها إلا القليلُ، لذا كثيرون يطيب لهم أن يرفعوا الشعار دون تحريك حجر في طاولة الإصلاح، ليغنموا من المناضلين بطولتهم، ومن القاعدين سلامتهم.
نتاج التنوير:
استطاع أمشاجٌ من هذه الفئة أن يتواصلوا مع بعض الشباب الصَّاعد، لما يتوافر عليه الشاب من ولعٍ بالجديد، ورغبةٍ في ركوب الموجات، فضلا عن شحن روحه المتوثبة بمعاني النضال والمقاومة؛لم تكن التنظيرات الجميلة التي أُتْحِفْنا بها حول حفظِ عقولِ الشباب من الانحراف الفكري والسلوكي مقاربةً لهذا النتاج البشري، ولا أدري هل يعلم هؤلاء أدعياء محاربةِ التشدد والغلو أيَّ جريرةٍ سيحملون وهم يوهِّنون في نفوس الجيل الجديد المعاني الشرعية المعتبرة، ويشحنونهم ضد العلماء الذين قضوا أعمارهم في دراسة الشريعة،
من المسؤولُ عن لِدَاتي الذين أعرفهم لم يقوَوا على إكمال (مذكراتِ الطنطاوي) يتحدثون بشيءٍ من الفخامةِ عن التيسير الفقهي، وحاجةِ العصر، ومقاصدِ الشريعة، ثم يهمسون في تعالٍٍ: نحتاجُ إلى إعادة النظر في فقهِ السلف .. !، من الذي قال لهذا الفتى الغَض: كم نحن بحاجة إلى تنويري مثلك يخرجنا من غياهبِ الظلام ويخلِّصُنا من عصورِ الانحطاطِ وسلطةِ الرجعيين، فهناك أيها الأسد المغوار تغمرنا نشوةُ التحرير ونعلن انتصارنا على جحافل الليل القاتم وسننقلب في غمضة عين إلى مناضلين أحرار .. !
أي نشوةٍ تَهُزُّه لهذا الطرح .. ؟
لمَّا أَجَلْتُ نظرةً عجلى في (الفيس بوك) خَطَر بِبالي أنه لا داعيَ لثني الرَّكَبِ عند العُلَماء، وتضييعِ العُمُرِ بِحِفْظِ النُّصوصِ وَفَهْمِهَا، ومِنْ ثَمَّ جَرْدُ المُطَوَّلات، المسألةُ أسهلُ بكثير: فقط افتحْ حسابا هناك .. ، بعد ذلك تَمَتَّعْ بِقَدرٍ من الصفاقة، وفيضٍ من الوقاحَةِ، واجعلْ لحومَ الأكابرِ مضغةً في فَمِك، ولا تنسَ بأن تُرَدِّدَ أنَّ شطرا طويلا من عُمُرِكَ -الذي لم يتجاوزْ الثلاثين بعدُ-: خُدِعْتَ بالسَّلَفية، وأنَّ الدعوةَ الوهابيةَ سلبياتُها أكبرُ من إيجابياتِها، وفي خِضَمِّ ذلك الانتِشاء بالتنظير؛ اكتبْ مَقَالا بِعُنوان: (رحلتي من السَّلَفيةِ الضَّيقةِ إلى الإسلامِ الأرحب) ، حاولْ أن تورد فيه اسمي مارتن لوثر وكالفِنْ، وطعِّمِ المقال بنقولٍ عن الأئمة ابن حزم وابن تيمية ... بعد هذا ستلقى من يُبَجِّلُك ويراك مظلوما في عصرك، وأن لديك من الأفكارِ ما يَسْتَحِقُّ الإشادَةَ والقِرَاءَةَ، سَتَلقى مَن يَظُنَّك أبو حامد الغزالي الذي غَرِقَ في بحر متلاطمٍ من الفَلسَفَة، لن يَعْلَموا أنَّ قُصَارى قِراءاتِك لم تتجاوزْ رواياتِ علاء الأسواني، وإحدى روايات دان براون، ثم وَجَدتَّ الطريق قصيرا نحو التَّصَدُّرِ والتَّنظيرِ ..
ما معنى أن تُطلق العبارات المفتوحة مصحوبةً بتأوهات، من نوع: الحرية، الفكرة الجديدة، امتداح القلق الفكري والحيرة، ... ؟ .. وإذا ما استُوقِفَ أحدُهم فَزِعَ من التطرف الذي يغرق فيه المجتمع، تساءلت كثيرا / كيف استطاع أن يكون دقيقا في تعبيره متقعرا في استخراج نوايا المحتسبين، ثم إذا جاء الحديث عن المشاريع النهضوية المترجمة رأيت عباراتٍ مجملة، وحديثا فارغا حول النظر للكأس الفارغ والملآن، ونسبية الحقيقة .. ، كان أضراب هذا الفتى قبل سنين عندما يقع في ذنبٍ يستشعر التقصير ويستغفر الله الكريم، الآن جاء من يقول له: إن جميع ما تشتهي أن تفعله لا يعدو أن يكون قولا شرعيا معتبرا، طبعا ما لم يصل لحدِّ الإلحاد ... ، كان يُقالُ له: الاستقامةُ هي التمسك بالهدي المحمدي ظاهرا وباطنا فاستقم كما أمرتَ، فجاء من يقول له: فاستقم كما أردتَ، ومالم ترده فأنت في النهاية موافق لبعض الأقوال الفقهية، لا أدري من أين جاءت قاعدة [خذ بالأيسر -مطلقا! - ما دمنا في عصر العولمة] ، ولا أعلمُ أن من وسائل الدعوة الصحيحة تقليم بعض الأوامر الشرعية التي تتعارض مع رغبة المدعوين أثناء تكالب الفتن،
بقي أن أقول"حين يتحدث من لا تود عن فوائد التنفس لا تمت مختنقا"فلسنا في مقام تنزيه مجمل الخطاب عن الزلل أو التقصير، ومن الخطأِ المخالفِ للشرعِ والعقلِ أن يستخفنا الذين لا يوقنون عن تتمة مكامن النقص، فمن الذكاءِ الفرحُ بأيِّ ابتداراتٍ أمينة تسعى لسدِّ هذه الثغرة أو تلك، وتستبطن تمديد الخطاب الشرعي لا تحديده، وتعظيم النص لا تقزيمه، إننا على اعتراف تامٍ بوجود أخطاء تستلزم التصويب والتقويم، لكن راعنا من أراد إزالة الذبابة الصغيرة بالفأس، فَنَزَعَ الفَسَائِلَ واقتلع الجذور، فحاجتنا الماسة للنقد لا تلغي عقولنا ومداركَنا الشرعية لقبولِ أيِّ نقد ... ، ومن الظُّلمِ لمسألة معالجة الخطأ أن لا تفردَ لها الأحاديثُ الخاصة، وتُعْقَدُ لها ورشُ العمل، لكني أردت هنا الإشارة الخاطفة لئلا يظن أن الدافعَ وراء المقال العزوفَ عن المعالجة، وادعاءَ الكمال.
(يُتْبَعُ)