فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فهذه القصائد المُلَحَّنة في الموالد والحسينيات تُحرِّك كوامن النفوس، وتثير ما فيها من الأهواء والشهوات والرعونات، كما تحقِّق تخديرًا للأتباع والمريدين (الهمج الرِّعَاع أتباع كلِّ ناعق) ، فلا تسأل هذه الدَّهماء عن دليل أو اعتبار، ولا تعي نقلًا صحيحًا، ولا عقلًا صريحًا.
وقد تفاقمت هذه الرَّزية في السنوات الأخيرة، لا سيَّما بعد ظهور آراء وأهواء في تجويز سماع غناء المُجون، وما أُلْحِق بـ"الأناشيد الإسلامية"من تبديل ومسخ، حتى أفضتْ إلى مُحاكاة غناء المجون ولحونه حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّة.
وأسوأ من ذلك أنَّ في تلك القصائد والأغاني ما يُصادم الشرع المُنَزَّل، ويناقض المعتقد الصحيح، لكن الاسترسال في التطريب، والولَع بالإنشاد والترنيم قد غيَّب العقول عن تلك المَحاذير، ومثال ذلك أنشودة (يا طيبة يا دوا العيَّان [11] ) ، فقد تداولها أطفالُ المسلمين في المنازل والمدارس الدينيَّة، والقنوات الإسلامية، والألعاب والدُّمى! مع أنَّ هذه العبارة لا تنفكُّ عن غلو ظاهر في الأماكن والبقاع، فإنَّ المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصَّلاة والسلام - قد كان فيها اليهود والمنافقون وفي عهد النُّبوة، فلم يحصل لهم شفاء بمجرَّد السُّكنى والجوار؛ قال تعالى: ? وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ? [التوبة: 101] .
والذمُّ والمدح إنما يكونان للحالِّ والساكن دون المحَلِّ والمسكن، وإن كانت البقاع تتفاضل.
ولما كتب أبو الدَّرْداء - رضي الله عنه - إلى أخيه سَلْمان الفارسي - رضي الله عنه: أنْ هَلُمَّ إلى الأرض المقدَّسة، فأجابه سلمان: إن الأرض لا تُقدِّس أحدًا، وإنما يقدِّس الإنسانَ عملُه [12] .
ومن قبل ذلك أن الكثير من المتصوِّفة يردِّدون قصيدة"نظم السُّلوك"لابن الفارض، ولا يعرفون ما فيها من الزندقة والإلحاد، والحلول والاتحاد. [13]
بل إن العوامَّ - آنذاك - قد انخدعوا بنظم الشكوك والزندقة، كما حكاه ابن تيميَّة بقوله:"ولهذا تجد كثيرًا من عوامِّ أهل الدِّين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض، ويتواجد عليها ويعظِّمها، ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها" [14] .
وقد بعث إليَّ أحد الفضلاء أبيات أغنية رائجة في بلاد المغرب، وقد استفحل شرُّها، وتفاقم إدمانها عند العامة وأضرابهِم دون تحذير أو نكير، مع أنَّ في هذه الأغنية شركًا صريحًا، وكفرًا بواحًا كما في الكلمات التالية:
(عبدالقادر يا أبا علَم، ضاق الحال عليَّ، داوِ حالي يا أبا علم، سيدي، ارْأف بي يا سيدي، أبا مدين، وأنا في أرضك نتأمَّن، يا سيدي الهواري، سلطان غالي، واشفني عبدالله سطان الأعالي، داوِ حالي يا أبا علم، سيدي، ارأف بي ... ) .
وإذا كان المشركون الأوائل يُخْلِصون في الشِّدة، ويُشْرِكون في الرَّخاء - كما جاء في غير موضع من القرآن - فإنَّ هؤلاء يشركون في السرَّاء والضَّراء، فهو يطلب الشِّفاء، ودفعَ البلاء، وحصول الأمن من عبدالقادر الجيلاني ونحوِه من الأموات العاجزين المرْبوبين!
وانظر إلى هذا الانتكاس وقلب الحقائق، فإن الأمن لا يتحقق إلا بتوحيد الله - تعالى - وعبادته وحده - عزَّ وجل - كما في قوله - تعالى: ? الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ? [الأنعام: 82] .
والشِّرك لا يُخلِّف إلا اضطرابًا ورعبًا: ? سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ? [آل عمران: 151] .
وقد سمَّى الله دعاء غيره شركًا وكفرًا في آيات كثيرة، كقوله - سبحانه: ? وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ? [فاطر: 13 - 14] .
يقول العلاَّمة حسين النعمي (ت 1187هـ) :"ومن أمعن النَّظر في آيات الكتاب، وما قصَّ من مُحاورات الرُّسل مع أُمَمِهم، وجد أن أُسَّ الشأن، ومحَطَّ رحال القصد شيوعًا وكثرة، وانتشارًا وشهرة - هو دُعاء الله وحده، وإخلاص العبادة له" [15] .
وقال ابن تيمية:"وأمَّا من يأتي إلى قبر نبي أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله حاجته مثل أن يسأله أن يُزيل مرضه، أو يقضي دَيْنه، أو ينتقم له من عدوِّه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابَّه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله - عزَّ وجلَّ - فهذا شرك صريح، يجب أن يُستتاب صاحبه، فإن تاب، وإلاَّ قُتِل" [16] .
وهكذا يتبيَّن للقارئ الكريم أنَّ الغناء ليس مجرَّد بريد للكُفْر فحَسْب، بل إنَّ في أبيات الغناء ما هو كفر وإلحاد، وشرك وتنديد، والله المستعان.
[1] انظر:"إغاثة اللَّهْفان"، لابن القيِّم، (1/ 369 - 370) .
[2] المصدر السابق.
[3] "إغاثة اللهفان"، (1/ 370 - 371) باختصار.
[4] "نزهة الأسماع في مسألة السماع"، مجموع رسائل ابن رجب، (2/ 460 - 461) .
[5] انظر:"الاستقامة"لابن تيمية، (1/ 238 - 240) .
[6] أخرجه ابن بطة في"الإبانة الكبرى"الإيمان، (2/ 703) .
[7] المصدر السابق: 2/ 704.
[8] المُثْبَت في المطبوع:"البَغْي"، ولعل الصواب ما أثبته، فإن الغيَّ ضدُّ الرُّشد، والرشد هو العمل بالحق، كما أنَّ الهُدى هو العلم بالحق.
[9] "إغاثة اللهفان"، (1/ 374 - 376) ، باختصار.
[10] انظر:"الاستقامة"لابن تيمية، (1/ 277) ، و"السماع"لابن القيم، ص 300، 301.
[11] العيَّان: المريض والعاجز.
[12] أخرجه: أبو نُعَيم في"الحِلْية، (1/ 205) ."
[13] انظر:"مجموعة الفتاوى"، لابن تيمية (2/ 366، 315، 297) .
[14] "مجموع الفتاوى"، (2/ 379) .
[15] "معارج الألباب"، ص 214.
[16] "مجموع الفتاوى"، (27/ 72) .