إنما قلت - وراجعه مشكورا غير مأمور - إن تخصيص قول معين ليكون ذكرا مقيدا بحال معينة أو بعبادة معينة أو بوقت معين يجب ألا يكون إلا بدليل، من الكتاب أو من السنة، حتى يسوغ اعتقاد أن لهذا الذكر فضل مخصوص إن خرج على تلك الهيئة أو في ذاك الحال .. فإن أخرجت هذا الدليل من الكتاب فخير، وإن أخرجته من السنة فخير، ولك في ذلك سعة ما لم تشذ عما كان عليه السلف في ذلك.
هذانِ الذِّكرانِ مذكورانِ في القرآنِ الكريمِ، ومقيّدانِ بما وردَ فيهما، فلمَ لا يستعملانِ فيما وردا فيه؟ وقد أُنزِلَ القرآنُ ليُعمَلَ به، أم أنَّ عدمَ فعلِ النبيِّ - صلى اللهُ عليه وسلَم - يدلُّ على عدمِ مشروعيتِه؟ لم أقل إنهما يستعملان ولا إنهما لا يستعملان، بارك الله فيك، فلا تقولني ما لم أقله!
وقولك أنزل القرءان ليعمل به فلا خلاف فيه ولا مراء، ولكن إن قلنا إن ذكرا بعينه أو دعاء بعينه مما ورد في القرءان لا دليل على تقييده بحال معينة عند التعبد بذكره وتلاوته، فإننا بذلك لا نكون قد عطلنا العمل بالقرءان! قد ينظر الناظر ويقول إن هذا اللفظ تكلم به نبي من الأنبياء في حال مخصوصة ولم يرد في شريعتنا ناسخ لهذا فيشرع لنا التأسي به في مثل ذلك، عملا بقاعدة (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه ناسخ) ، وقد يخالفه غيره من المجتهدين فيقول إن مجرد ورود اللفظ على لسان رسول من المرسلين أو نبي من النبيين في القرءان ليس في مجرده دليلا على مشروعية تقييد (1) هذا الدعاء بذلك القيد، وقد يقول غيرهما إنه لا يجوز التعبد بشرعة من كانوا قبلنا إلا بالوقوف على ما يوافقها من شرعتنا نصا (على اعتبار أن تقييد هذا الدعاء أو الذكر بتلك الحال = فعل تعبدي يلزم النص على مشروعيته) ، ولكل قول حظه من النظر، وليس في أي من تلك الأقوال ما يلزم منه تعطيل العمل بالقرءان أو إعراض عنه!
(1) المقصود بالتقييد: اعتقاد الفضل المخصوص للتلفظ بهذه الألفاظ في هذا المحل أو على تلك الهيئة، ولا يلزم من قول من يقول إنه لا قيد هنا: نفي مشروعية أو استحباب تلاوة هذا النص أو غيره من نصوص القرءان.