لقد صدق ظنّ أبي المُهاجر فإنّ كُسيلة لمّا رأى قلّة جماعة عُقبة لرُجوع الجُيوش قبله إلى القيروان أرسل إلى قومه يُعلمهم بذلك فجرّأهم ذلك على مُلاقاته والنّزول إلى قتاله بعد ما كان الخوف والرّعب قد ألجأهم إلى شعاف الجبال , فكانت تلك الوقعة.
علم عُقبة أنّه مُستشهد لا محالة فسرّح أبا المُهاجر من مُعتقله وأمره باللّحوق بالقيروان ليتولّى أمر النّاس لعلمه بسُهولة الوُصول عليه لحُسن علاقته مع كُسيلة وحُسن سُمعته عند قومه ويغتنم عُقبة الشّهادة فنسي أبو المُهاجر كلّ ما كان فيه وكلّ ما لحقه من عُقبة وقال له: > ونزل المُعترك كأصحابه واختاروا الموت الشّريف على الأسر والهوان ( [2] ( http://www.nouralhuda.com/%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%88-%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7 %D8%A7%D8%AA/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7 %D8%A8/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1 %D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7 %D8%A8/281-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D8%BA%D8%AA%D9%86%D9%85 %D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%84 %D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88 %D9%85%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D9%81%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A7 %D8%B2%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%91%D8%AE %D8%B5%D9%8A%D9%91%D8%A9.html# _ftn2) ) فاستشهدوا عن آخرهم وكانوا زُهاء ثلاثمائة من الصّحابة والتّابعين رضي الله عنهم.
العبرة:
عندما تَكمل في القادة أخلاق الرّجولة ويتّحدون في الإيمان بالمصلحة المُشتركة العُليا , وفي السّعي لغاية واحدة ــ لا يحول بينهم وبين القيام بجلائل أعمالهم والبلوغ إلى غاياتهم , ما تقلّ السّلامة منه بين البشر من الحزازات الشّخصيّة وأن نالهم من ذلك ما لا بدّ منه من أثره السيئ في طريق سعيهم وسُرعة وُصولهم.
فسوء مُعاملة أبي المُهاجر لعُقبة كانت نتيجته مُعاملة عُقبة له التّي تجاوزتها في الإهانة , حتّى ارتكب عُقبة ذلك المركب القبيح الوخيم العاقبة في مُعاملة كُسيلة , لكنّ القائِدين العظيمين كانا يُؤمنان إيمانا واحدا بالمصلحة المُشتركة العُليا , ويعملان لغاية واحدة هي إعلاء كلمة الإسلام واغتنام الشّهادة في سبيله , فلم يأل أبو المُهاجر في نُصح عُقبة وهو تحت قُيود الاعتقال ولم يتوقّف عُقبة في سراح أبي المُهاجر ليتولّى الإمارة بالقيروان ولكنّ الغاية الكُبرى عند أبي المُهاجر ــ كما هي عند مثله ــ هي الموت في سبيل الله والفوز بالشّهادة , فقال: > وما كانت تلك الوقعة التّي خسر بها الجيش الإسلامي أولئك الأبطال إلاّ أثرا لازما لتلك الحزازات الشّخصيّة والنّقائص البشريّة , ولكلّ شيء أثره في هذه الحياة.
القُدوة:
ضرب أبو المُهاجر القائد العظيم أسمى مثل في نِسيان النّفس , والزّهد التّام في الحياة الدّنيا ورئاستها , والرّغبة الصّادقة في نيل الشّهادة , كما ضرب أسمى مثل في الشّجاعة والإقدام والتّضامن التّام مع الأصحاب في وقت الشّدّة وطرح كلّ أمر شخصيّ إزّاء الصّالح المُشترك العام , فرحمه الله وجازاه الله وجازى من معه عن الإسلام وعنّا خير الجزاء.
مجلّة الشّهاب الجُزء الثالث المُجلّد الخامس عشر: ( [1] (