فهرس الكتاب

الصفحة 19928 من 20085

فالكذب حرام، ولا يرخص فيه إلا لضرورة أو حاجة، ويجب أن يكون ذلك في أضيق الحدود، بحيث لا توجد وسيلة أخرى مشروعة تحقق الغرض.

وقد صح في الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة أو دفع مضرةلما روىالبخاري ومسلمرحمهما الله من حديثأمكلثومبنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس فيُنَمِّي خيرا أو يقول خيرا ,ولم أسمعه يُرخص في شيءٍ ممّا يقول الناسإلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأةزوجها

والنوع الثالث من النفاق هو الرياء, والرياء هو مراءاة الناس بالعمل, واي عمل لأجل الناس فلا ثواب له لأنّ العمل المتقبل يحتاج الى اخلاص مطلق لله عزوجل.

نسأله تعالى أن يجعلنا برحمته من المؤمنين الصادقين المخلصين والمرضي عنهم في الدنيا والآخرة, ومن وجد في نفسه خصلة من خصال النفاق فليبادر الى التوبة منها توبة نصوحا لا يعود اليها ابدا, والتوبة النصوح نوعان: النوع الأول من التوبة تتعلق بحق الله عزوجل وشروطها ثلاث: الاقلاع عن الذنب, والندم على ما فعل, وعدم العودة للذنب الذي تاب منه

والنوع الثاني من التوبة يتعلق بحق العباد وهو أربعة شروط, الثلاثة السابقة اضافة لاعادة حق العباد من دَيْنٍ وحقٍّ مسلوب, وقذفٍ بالزنا, وغيبة ونميمة , وما الى ذلك من سلوكيات مشينة تفسد بين المسلمين.

وإذا مات الإنسان وعليه دين لغيره وجب أن يقوم ورثته بسداد الدين قبل توزيع التركة كما في قوله تعالى في آية المواريث النساء 114

من بعد وصية يوصي بها او ديْن

هذا اذا كان للميث ميراث ما يفي به سد الدين, فان لم يوجد فليس على الورثة من شيء, وان كان الأولى على الورثة سداد دينه حتى تنزل عليه الرحمة فروحه لا تزال محبوسة عنه حتى يُسدُّ الدين, ويمكن لأهله أن يتصدقوا بسداد دينه عنه حتى يرحمه الله, واذا كان الميت قد نوى قبل موته بأن يسد ديونه ومات قبل أن يوفي فالله عزوجل يوفي عنه, وان لم ينوي ومات قبل أن يوفي فعلى الورثة الوفاء عنه لما رواه الامام البخاري رحمه الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال

من أخذ أموال الناس يريد آداءها ادّى الله عنه, ومن أخذها يريد اتلافها أتلفه الله.

وروي الامام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين

فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فان حدث أنه ترك وفاء صلى عليه, والا قال: صلوا على صاحبكم, فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم, فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه, ومن ترك مالا فهو لورثته.

والميت ان وضع بباله أن يفي بدينه تكتنفه رحمة الله لما روى الطبراني رحمه الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من دان بدين في نفسه وفاؤه ومات تجاوز الله عنه وأرضي غريمه بما شاء.

ولما رواه الامام احمد وابونعيم والبزار والطبراني رحمهم الله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُدعى صاحب الدين يوم القيامة حتى يُوقف بين يدي الله عزوجل فيقول له: يا اين آدم! أخذت هذا الدين وفيما ضيّعت حقوق الناس؟ يقول: يا رب! انك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضع, ولكن أتى عليّ اما حرْق واما سرق واما وضيعة, فيقول: صدق عبدي, وأنا أحق من قضى عنك, فيدعو الله بشيء فيوضع في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته.

أما الميت الذي مات ولم يكن بباله وفاء الدين يكون محجوب يوم القيامة عن رحمة الله عزوجل لما رواه الامام احمد وابن ماجة والترمذي رحمهم الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

نفس المؤمن معلقة بدينه حتي يقضي عنه

حتى الشهيد الذي يقتل في سبيل الله يغفر له كل شيء الا الدين لأنه من حق العباد, وحق العباد لا يغفر يوم القيامة الا بعد القصاص, لما رواه الامام مسلم رحمه الله, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدّيْن

فاذا كان هذا حال الشهيد في سبيل الله, فكيف بغير الشهيد أمثالنا؟

ولعلّ حديث المُفلسُ المشهور لأبلغ مثال على اهمية ايفاء حقوق العباد قبل الموت , لما رواه الامام مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انّ المُفلسُ من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة , ويأتي وقد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا , فيُعطى هذا من حسناتهو وهذا من حسناتهو حتى اذا فُنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه, أخذ من خطاياهم فطرحت عليه فطرح في النار.

وللامام البخاري رحمه الله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

مَنْ عند أخيه مظلمة فليتحلله منه اليوم قبل الا يكون لا دينار ولا درهم, وان كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته , وان لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمِّلّ عليه.

لأجل ذلك كان الديْن أمر خطير تجب المبادرة الفورية بسداده قبل الموت (وجميع حقوق العباد تندرج تحت مسمى الديْن) , وقبل ان تكون المواجهة بين المدين واصحاب الحقوق يوم القيامة , فربما لا يُسامحونه في يوم يفر المرء من أمه وأبيه, وصاحبته وأخيه, وروىالبخاري رحمه الله أن النبي صلي الله عليه وسلمتذكر وهو في الصلاة أن في بيته بعض الأموال لم تسلم إلي أصحابها فتوجه بعد الانتهاءمنها بسرعة لافتة للنظر. وأمر بدفعها إلي أصحابه وعاد إلي المسجد ولما سألوه , فقال عليه الصلاة والسلام:

تذكرت مالا فخشيت أن يحبسني

وعليه وفي واقعة السؤال يجب علي الورثة أن يقوموا بسداد الدين عن ميتهم قبل تقسيم التركة , وإن لم توجد له تركة فلا يجب علي الورثة شيء وإن كان السنة أن يقوموا هم بذلك ويجب علي صاحب الدين أن يترك ما حدث من خلاف وأن يعمل بقول الله تعالى في سورة البقرة 280: وان تصدفوا خير لكم ان كنتم تعلمون

والله تعالى أعلم بغيبه.

نسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة.

سبحان ربك ربّ العزة عمّا يصفون* وسلامٌ على المرسلين* والحمد لله ربّ العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت