(فاجتنبوه) وهذه هي أشد صيغ التحريم وقد تتبعت ورودها في القرآن الكريم فرأيتها لم تأت الا بالنهي عن الشرك والكبائر. ثم رغب جل وعلا عباده بقوله: (لعلكم تفلحون) ومفهوم المخالفة هنا أنه لن يفلح من لم يحقق الاجتناب، والفلاح في القرآن معناه الفوز في الآخرة والسعادة في الدنيا، ثم بين الله مُراد الشيطان من إيقاع أوليائه بالخمر والميسر لأجل أن يوقعهم في العداوة والبغضاء.
ذلك أن السكير يكتسب صفات عدوانية فيتعدى على الخلق بغير حق فيحصل له جزاء ذلك البغضاء في قلوب الخلق لان الرجل عندما يحتسي الخمر يذهب عقله فتذهب مروءته ويصبح أضحوكة للناس وهذا لا يقبله على نفسه شهم فضلًا عن مسلم طيب. ويبين الله في الآيات التي ذكرتها لك أيضًا المراد الاعظم لإبليس في إقاع اوليائه: (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) انظر كيف أدخله في المعصية ليتدرج به حتى يوصله الى الكفر فينظر شارب الخمر الى نفسه فيحقر نفسه ويقول أنا أشرب الخمر أيعقل ان ألتزم الصلاة فيتركها .. وإذا أراد أن يذكر الله تذكر أن فيه ما فتىء يشرب الخمر فكيف يذكر الله .. لذلك كانت الخمرة جِماعًا لألوان الخبائث وسماها رسول الله: (أم الخبائث) .
وإليك حبيبي بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر ووعيد شاربها عسى الله أن ينفعك بها وأحسب انك إن قرأت كلامه ستنتهي وتقلع وتتوب والله يتوب على من تاب:
-وعن عبد الله بن عمرو قال:"في التوراة: الخمر مرّ طعمها، أقسم الله بعزته:"
لمن شربها بعدما حرّمتها لأعطشنّه يوم القيامة". والعطش هنا معناه الحِرمان من السقاية من يده الشريفة صلى الله عليه وسلم ونحن نقول في الدعاء المشهور اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا. وقد اخبر الله في كتابه الكريم أن في الجنة أنهارًا من خمرٍ لذةٌ للشاربين فمن عاقرها في الدنيا فإنه وإن كان ممن عاقبة أمره بعد العذاب دخول الجنة بشفاعة الموحدين أو بشفاعة رب العالمين فسيُحرم لذة شرب خمر الجنة وهذا باب عظيم من الحسرة والندامة لو تعلم."
-وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن شارب الخمر انه: (ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ) . ومعناه ان الايمان في حال شرب الخمر يكون مرفوعًا عن الشارب فإذا أدركته المنية على هذه الحال مات بغير إيمان والعياذ بالله ..
-وروى الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني:
(من ترك الصلاة سُكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسُلِبها. ومن ترك الصلاة سُكرًا أربع مرات كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال عصارة أهل جهنم) .
قلتُ فكما أنه شرب أنتن ما في الدنيا من مشروبات كان جزاؤه شراب أنتن ما في الآخرة وهذا من بديع وصف الله لها بأنها رجس كما في الآية فتأمل!
-وصحح الألباني حديثًا عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زنية)
وهذه عقوبة ما بعدها عقوبة فاهل الايمان عيونهم يوم القيامة الى ربها ناظرة وهؤلاء حرموا ليس فقط ان ينظروا الى الله بل من ان ينظر هو إليهم جل وعلا وأحدنا إذا كلم اباه وكان غاضبًا فلم ينظر إليه وهو يكلمه يصيبه من الهم والحَزن ما يصيبه فكيف بالله جل وعلا وله المثل الاعلى؟
-وعند احمد قوله صلى الله عليه (لعنت الخمر على عشرة أوجه: لعنت الخمر بعينها, وشاربها, وساقيها, وبائعها, ومبتاعها, وعاصرها, ومعتصرها, وحاملها, والمحمولة إليه وآكل ثمنها) واللعن هو الطرد من رحمة الله وكل هذه النصوص لمن مات على ذلك ولم يتب اما من تاب فإن الله يبدل سيئاته حسنات .. فبادر أخي الى التوبة ولا يُوفَق لها إلا بالهجرة أي ان تهجر ما نهى الله عنه وتهجر مواطن السوء وصحبته وكل ما يذكرك به وتضع نصب عينيك الجنة والنار فليس ثمة مثوى غيرهما وأوصيك بأهلك خيرًا وكان آخر وصايا رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم النساء فقال: (استوصوا بالنساء خيرًا) . وكان بعض السلف يرى أثر معصيته لله في دابته وزوجته فلما يسوء خلق المراة فليراجع أحدنا نفسه وينظر معصيته ويتوب منها ..
ثم إن الله أمر {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} ( http://majdah.maktoob.com/vb/majdah153958/) فأين عداؤنا لعدو الله، واعظم باب للنيل منه بالاستجابة لأوامر الله والانتهاء بنهيه فلا تجعل الغلبة لعدوك فالحرب ناشبة وعدوك لا يُغلب الا بالله فاعتصم به واستمسك بحبله ولازم التوبة فقد كان من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يتوب الى الله في اليوم مئة مرة واخبر عن نفسه جل وعلا انه يحب التوابين فالتائب حبيب الله ومن احبه الله لم يعذبه ..
أسأل الله بأسمائه وصفاته أن يتوب علي وعليك وعلى جميع المسلمين إنه هو التواب الرحيم لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين ربنا عدنا اليك فاغفر اللهم ذنوبنا واستر ما اطلعت عليه من خفي أعمالنا ولا تفضحنا يا من يعلم ما في القلوب والضمائر وصلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أخوك مصباح الحنون
الاثنين 17 ذوالقعدة 1431
راجيًا به وجه الله والدار الآخرة
عملًا بقول رسول الله الدين النصيحة
وامتثالًا لأصل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
وطمعًا في ان احشر مع الفرقة الناجية الذين يتواصون بالحق
اللهم انفعني بما علمتني واهد به واجعله ذخرًا لي يوم القاك .. آمين