فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 20085

-إشكالية التَّحيز: من أخطر ما يُعطِّل قيمة القراءة، ويُفقدها غايتها، أن يدخل القارئ على النص وهو مُتحيِّز إلى عاطفة، أو فكرة مسبقة! فإذا فعل ذلك تشوَّش معيار التقويم، وضلَّ مقياس الموضوعية! ولا يخفى على المراقب أن قراءتنا ـ على الأغلب ـ متحيزة عاطفيًا، وفكريًا، فنحن نحب أن نقرأ ما يدغدغ عواطفنا وإن خالف الحقيقة، ونأخذ موقفًا مسبقًا ممن نعرف أنه يخالفنا، أو يطرح ما يزعجنا!

وهذا يعني أن معيارنا في القراءة أهواؤنا، ورغباتنا، ومقرراتنا المسبقة، فمن وافقها فهو الذي لم تلد النساء مثله! ومن الأمثلة على ذلك، قضية السلبية والإيجابية، فما هو مقياس السلبية والإيجابية عندنا؟ إنه ما نحب وما لا نحب! فإن قرأنا ما نتبنى، ونحب فالكاتب إيجابي، وإلا فهو سلبي مُثبِّط! ومثل ذلك التفاؤل والتشاؤم، مقياسهما لدينا مطاط جدًا، حمَّال وجوه، والحكم في النهاية أهواؤنا ورغباتنا!

إنَّ القراءة المقابلة لهذه الآفة هي القراءة المحايدة، وأستدركُ لأقول قدر الإمكان! لأنني أدرك أن الحياد المطلق غير مقدور عليه، لكن نُسدِّد ونقارب إلى الدرجة التي تكون فيها القراءة أقربَ ما يكون إلى الحياد، وأبعدَ ما يكون عن المقررات السابقة. إنَّ القراءة المحايدة قراءة تحب الحقيقة ولو أزعجتها، وتقبل الحق ولو كان من أبغض الناس، بل ولو كان من أفسق الناس، كما كان يقول أحد الكبار:

إعمل بعلمي ولا يمنعك تقصيري ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري

والقراءة المحايدة موضوعية، تحتكم إلى المعلومة التي تنقل الواقع كما هو، وتعرض الحقيقة كما ينبغي لا كما تحب.

-وأخيرًا القراءة المتسرعة: وأعني بها القراءة التي تأخذ موقفًا بادي الرأي، تخطف الكلمة أو الجملة خطفًا، ثم تبني عليه قصرًا من وجهات النظر المتعجلة. ومن قرأ هذه القراءة فحتمًا سينقطع التواصل والتفاهم بينه وبين الكاتب، وسيحمل كلَّ ما يقرأ حملًا لا إنصاف فيه، وسيُوظِّف كلَّ ما يعرفه من آليات التعامل مع النصوص ليدعم وجهة نظره المتسرعة، فيشرع باصطياد الثغرات ـ أو ما يظن أنها ثغرات!! ـ ليُرديَ الكاتب أرضًا، ويحمل المحتمل على الصريح، وينادي على رؤوس الأشهاد ملوِّحًا بالمحتمل: أنْ هذا هو كاتبكم العظيم فاحذروه! ويقابل هذه القراءة، القراءة المتأنية المُنصفة، التي لا تستعجل النتائج، وتعطي الكاتب الفرصة التي يستحقها للفهم عنه، وتحمل محتمله على صريحة، وتستخدم آليات فهم النص لخدمة الوصول إلى الحقيقة.

-وأخيرًا، وتلخيصًا: إنَّ القراءة المطلوبة هي القراءة المبنية على الإخلاص والإنصاف والفهم والوعي والتدبر، القراءة التي تربط وتستنتج.

إن بداية النهضة هي قراءة صحيحة، ولا يمكن أن ينجح شعار التوحيد أولًا دون هذه القراءة. فلا عجب أن كانت هذه الكلمة أول كلمة في آخر رسالة. هذه الكلمة التي لا أجد في وصف عظمتها وخطورتها أبلغ مما قاله سيد رحمه الله فيها:"الكلمة التي أدهشت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثارت معه وعليه العالم". فلله درُّ سيد رحمة الله عليه. وكيف لا وهي التي وضعها القرآن بداية للذين حمَّلهم مسؤولية تغيير العالم، وقيادة البشرية، وقد سُئل فولتير مرةً عمَّن سيقود العالم، فأجاب:"الذين يعرفون كيف يقرؤون".

وها هي المطابع في العالم الإسلامي، تدفع في كل عام آلافًا من الكتب، وها هي الشواهد تدل على أن الذي يقود العالم هم الذين يحسنون القراءة، ونحن لا زلنا قابعين على حدود القراءة الأمية، العصافيرية، الخ .. القائمة القاتمة! إننا نمتلك وسيلة الحضارة، ومنهج التقدم؛ القرآن، ومع ذلك فإن حالة الوهن التي نعيشها تحرمنا من الإفادة من هذا الكتاب الحكيم.

إن حوارنا حوار طرشان، والتواصل فيما بيننا معدوم، ولقد يصدق علينا ما قاله حسن البنا رحمه الله:"إذا شرحت فكرتك لأحدهم عشرين مرة، ثم ظننت أنه قد فهمك فأنت متفائل"!

وأختم بهذا الحديث الرائع الذي يصف عجزنا عن القراءة المنتجة، وكيف أن القراءة المطلوبة ليست هي مجرد قراءة الأحرف، فقد روى زياد بن لبيد، فقال:"ذكرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئًا، فقال:"وذاك عند ذهابِ العلم، قُلنا يا رسولَ الله: وكيف يذهبُ العلمُ؟ ونحنُ قرأنا القرآنَ ونُقرئه أبناءَنا، وأبناؤنا يُقرؤون أبناءهم، فقال:"ثَكِلتْكَ أمُّكَ يا ابنَ لبيد، إنْ كنتُ لأراكَ من أفقهِ رجلٍ بالمدينة، أوَ ليس هذه اليهودُ والنصارى يقرءونَ التوراةَ والإنجيل، ولا ينتفعونَ ممَّا فيهما بشيءٍ؟!"، رواه ابن ماجة وابن حبان بسند صحيح.

العنوان قسم الثقافة والادب ثم كيف نقرأ

ـ [وليد الدلبحي] ــــــــ [07 - Aug-2007, مساء 02:54] ـ

بارك الله فيك يا أخ خالد، ونفع بك.

ـ [آل عامر] ــــــــ [07 - Aug-2007, مساء 03:45] ـ

جزاك الله خيرا أخي خالد، وحفظك

ـ [أبو فراس] ــــــــ [08 - Aug-2007, صباحًا 02:40] ـ

جزاك الله خيرا ونفع بك أخي الكريم خالد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت