فهرس الكتاب

الصفحة 2560 من 20085

وهنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه كما يُقال، ما حكم الصلاة إلى السترة؟ وعلى العكس من ذلك ما حكم هذه الصلوات التي يصليها جماهير الناس لا إلى السترة؟

الجواب: حكم هذه الصلاة إلى السترة أنها واجبة.

وكثير ما يقع ويُفاجأ المصلي بمرور شيء ما، قد يكون كلب أسود أو كلب غير أسود، الكلب الأسود إذا مر وهو عادة يمرُّ سريعا فقد بطلت صلاة المصلي، أما إذا كان قد صلى إلى سترة ومرَّ هذا الكلب أو غيره ممن ذكر معه فصلاته صحيحة، لأنه ائتمر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السابقة: {إذا صلى أحدكم فليصلي إلى سترة} ، {إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدنو منها} ، ويترتب على اتخاذ السترة حكم شرعي ينتفي هذا الحكم بانتفاء السترة.

جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: {إذا صلى أحدكم فأراد أحدٌ أن يمر بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان} ، وهذا معناه أنه إذا كان يصلي لا إلى سترة فليس له أن يدفعه فضلا عن أنه ليس له أن يقاتله، هذا وذاك من آثار اتخاذ هذه السترة أو الإعراض عنها.

وأخيرًا لابد من التذكير بأمر يخالف هذه الأحاديث كلها، وهذا الأمر خاص في بيت الله الحرام، ثم سرى إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، إن عامة الناس حتى بعض الخاصة يذهبون إلى أن السترة في المسجد الحرام غير واجبة، حكم خاص زعموا في المسجد الحرام، ثم صارت هذه العدوة إلى المسجد النبوي الكريم، ينبغي أن تَعلموا أن الحكم السابق في كل الأحاديث التي مضت تشمل المسجد الحرام كما تشمل مساجد الدنيا، وإنما صارت فكرة استثناء المسجد الحرام من وجوب السترة من حديث أخرجه النسائي في سننه وأحمد في مسنده وغيرهما: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يومًا في حاشية المطاف والناس يمرون بين يديه} هذا الحديث أولًا لا يصح من حيث إسناده، وإن فيه جهالة كما هو مذكور في بعض كتب التخريجات المعروفة ومنها أذكر (إرواء الغليل) ولو صح فليس فيه دليل على أن المرور كان بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد ذكرنا آنفًا أن المرور الممنوع إنما هو بين المصلي وبين موضع سجوده، ولم يذكر في هذا الحديث الذي يحتجون به على أن المصلي في المسجد الحرام لا يجب عليه أن يتخذ سترة، لو صح هذا الحديث كان يُمكن أن يكون حجة لو صرَّح بأن الناس كانوا يمرون بين يديه عليه السلام، أي بينه قائمًا وبين موضع سجوده، هذا لم يذكر في هذا الحديث، ولذلك لا يجوز الاستدلال به من الناحيتين:

1 -من ناحية الرواية

2 -ومن ناحية الدراية

-أما الرواية فلضعف إسنادها.

-وأما الدراية فلعدم دلالة الحديث لو صح أن المرور كان بينه عليه السلام وبين موضع سجوده، ولذلك فالواجب على كل مصل أن يستتر أيضا ولو في مسجد الحرام، نحن نشعر بسبب غلبة الجهل لهذه المسألة بصورة عامة، وفي غلبة الاحتجاج بهذا الحديث فيما يتعلق بالمسجد الحرام بصفة خاصة، أن المصلي في المسجد الحرام لكي يتحاشى أخطاء النار للمرور بين يديه، لأنه ينصرف عن الصلاة وهو في كل لحظة يجب أن يعمل بيده هكذا ويُخاصم الناس، والناس اليوم في الخصومة ألداء، ولذلك فينبغي للمسلم أن يبتعد عن المكان الذي يغلب على ظنه أنه مكان متروك الناس يمرون بين يديه لا يابلون بصلاته أية مبالاة، ولكن عليه أن يصلي في مكان وإلى سترة لكي يحقق أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

أما المسجد النبوي فأمر الناس فيه أعجب لأنه إن كان لهم عذر فيما يتعلق بالمسجد الحرام، وإن كان هذا العذر عند كرام الناس غير مقبول، لأنه مخالف لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالعجب أن مسجد الرسول منه انطلقت كل هذه الأحاديث التي سمعتموها، وإذا بها تعطل لدعوى أن مسجد الرسول هو كمسجد الحرام، فكلاهما مستثنا منهما وجوب السترة، فإذا عرفتم أن المسجد الحرام حديث الوارد في خصوص عدم اتخاذ السترة ضعيف، ولو صح لم يدل على المقصود، فاعلموا أن المسجد النبوي لا شيئا يُلحقه بالمسجد الحرام، بل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة} {إذا صلى أحدكم فليدنو من سترته يقطع صلاة أحدكم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود} ، ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الأحاديث وما تستره بالجدار وجعل بينه وبين سترته ممر شاة إلا في مسجده، هذا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت