8 -والحديث الثامن روته عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفرلأكثر من عدد شعر غنم كلب) . وإسناده ضعيف. أخرجه أحمد (6/ 238) , والترمذي (3/ 107) , وابن ماجه (1/ 445) , وله طريق آخر إسناده ضعيف عن عائشة , أخرجه البيهقي في الشعب (3835) , وفيه التصريح بقيام النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة وجاء فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذه ليلة النصف من شعبان , إن الله عز وجل يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين , ويؤخر أهل الحقد كما هم) . وحاصل ما تقدم من الروايات المذكورة ثبوت فضل ليلة النصف من شعبان , خاصة وأن إحداها وهي رواية معاذ قد صححها ابن حبان بمفردها. وتقدم قول البزار: (روى هذا الحديث أهل العلم واحتملوه) . فالحديث ثابت ثبوت الجبال الرواسي حتى إن الألباني قد صححه في (السلسلة الصحيحة) (1144) وفي التعليق على السنة لابن أبي عاصم (509 , 510 , 511 , 512) . أما من حكم على الحديث بالضعف فهو إنما أنه لا يعرف الحديث فليس له إلا أن يقلد العارف به , أو هو متسرع. وإما مكابر ولا يجدي الكلام معه. وإذا علم فضل تلك الليلة المباركة فيستحب فعل أي طاعة فيها تندرج تحت أصل عام من صلاة أو صدقة , ونحو ذلك. ولو سلم ضعف الحديث وطلب المعترض الدليل الخاص على قيام تلك الليلة فنقول في رد هذا الكلام
: أولا:- إن عدم الاكتفاء في المسألة بالدليل العام , وطلب الدليل الخاص في كل مسألة بعينها يلزم منه تعطيل العموم في الشريعة مما يؤدي إلى تضييق دائرة الشريعة المطهرة , ويلزم منه أيضا النيل من الشريعة فإن طلب الدليل الخاص في كل مسألة بدعة في الدين.
ثانيا:- أما الاستدلال بمثل قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (21 الشورى) . فهو استدلال في غير محله وفيه تهويل لا معنى له لأمرين:
1 -إن المثبت لفضيلة تلك الليلة المباركة مستدل بدليل شرعي وهو السنة المباركة , وغايته أنه ضعيف في نظر المعارض , فلا يلزم من ذلك تبديعه أو تشديد النكير عليه.
2 -إن فضل تلك الليلة ثابت في الأحاديث كما تقدم فينبغي أن يراجع أمثال هؤلاء أنفسهم , ويكفوا عن إيراد مثل هذه الآيات الخارجة عن محل النزاع. أما محل النزاع فهو سنية قيام ليلتها , ونحن إذا نظرنا فيما رواه مسلم في كتاب الجنائز , باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (رقم 974) عن عائشة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة إلى البقيع. وهو الفعل نفسه الذي روي من طريق أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ليلة النصف من شعبان , فيحمل قيام النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إلى البقيع في رواية مسلم على أنه كان في ليلة النصف , وإذا قيل إن هذا احتمال! قلنا: هذا الاحتمال أولى لاتحاد صفة العمل أما حمله على أنها غير تلك الليلة فحمل لا يسعفه دليل. فالاحتمال الأول أولى لأنه ينضم إليه الروايات الأخرى ولا ينضم للاحتمال الثاني شيء , لا ضعيف ولا غير ضعيف. كما ينضم إلى هذا الاحتمال فعل السلف رضي الله عنهم واقتداء الخلف بهم إلى يومنا هذا فإن الإنكار ممنوع البتة وهو بدعة. وقد سئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن صلاة ليلة النصف من شعبان فأجاب: (إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده أو في جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من السلف فهو حسن) , وقال في موضع آخر: (وأما ليلة النصف فقد روي في فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا) . انتهى. (مجموع فتاوى ابن تيمية ج 3 ص 131/ 132) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في (لطائف المعارف) (ص 263) : وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة , وكان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما من تابعي الشام يقومون في المسجد ليلة النصف , ووافقهم الإمام إسحاق ابن راهويه على ذلك , وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة. انتهى باختصار وتصرف. والحاصل أن فضل هذه الليلة المباركة قد ثبت بالأحاديث الصحيحة واستحب قيامها كثير من السلف , فالقول ببدعيتها قول منكر , لم يعتمد في مذهب معتبر ولا غير معتبر. ولا يلزم من كون الحديث - الآمر بقيام ليلها وصيام نهارها - ضعيفا أن يكون العمل به بدعة بل استحباب القيام والصيام جاء من أدلة أخرى كما بينا. كما أن الإنكار في الوقت نفسه فيه رد لفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فليحذر هؤلاء المنكرون من الوقوع في قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة , أو يصيبهم عذاب أليم) (63 النور) . والحمد لله في البدء والختام والصلاة والسلام على خير الأنام وعلى آله وأصحابه مصابيح الظلام.