وأما الليالي المعيّنة فلم يردإلاَّ في ليلة القدر قال الله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر *) [القدر]
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) .
بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتحرٍِِّيها في العشر الأواخر من رمضان بل في الوتر من العشر الأواخر من رمضان , ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين.
تقدم أن أوضحنا ضعف أدلة المجيزين لإحياء ليلة النصف من شعبان، ولما كانت هذه الصلاة التي يقيمها القوم من جملة البدع المحدثة في الدين، أستحب أن ننبه إلى أن البدعة إما أن تكون حقيقية أو إضافية. قال الإمام الشاطبي في كتابه القيم (( الاعتصام ) ) (ج2 ص286) :
إن البدعة الحقيقية هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، ولذلك سميت بدعة - كما تقدم - لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق. وإن كان المبتدع يأبى أن يُنسب إليه الخروج عن الشرع إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، لكن تلك الدعوى غير صحيحة لا في نفس الأمر و لا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس الأمر فبالعرض، وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه ليست بأدلة إن تثبت أنه استدل، و إلاَّ فالأمر واضح.
وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان:
إحداهما: لها في الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة.
والأخرى: ليس لها متعلق إلاَّ مثل ما للبدعة الحقيقية، فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي (البدعة الإضافية) .
أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات او الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه، لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة. انتهى المراد.
ونحن إذا أردنا أن نطبق ما قاله الإمام الشاطبي على صلاة النصف من شعبان نجد أن كونها بدعة إضافية: أنها مشروعة باعتبار، غير مشروعة باعتبار آخر، فإذا نظرنا إلى أصل الصلاة من حيث هي نجد أنها مشروعة، وذلك لحديث (الصلاة خيرٌ موضوعٌ) وإذا نظرنا إلى ما عرض لها من جعلها في وقت مخصوص وقراءة مخصوصة وكيفية مخصوصة وفي مكان مخصوص وجدنا أنها بدعة.
فكانت مشروعة لذاتها بدعة لما عرض لها.
وسواء كان أداؤها على الانفراد أو على الاجتماع، وأداؤها بصورة جماعية في المساجد أضر من أدائها على الانفراد، وكلا الأمرين بدعة ضلالة.
وأود أن أذكٍّر إخواننا المسلمين - ونحن نتكلم في هذا الصدد عن البدع - بضرر البدعة في الدين، فإن ارتكاب البدع يعد حاجزا منيعا بين العبد وبين قبول توبته، فمهما حاول أن يتوب من أي ذنب وهو ما زال مرتكبًا لأي بدعة كانت فإن الله تعالى لا يقبل توبته من أي ذنب حتى يدع بدعته، فكيف إذا كان هذا المسكين مرتكبًا لبدع كثيرة فإنه يجب عليه أن يترك كل البدع من أجل أن يتقبل الله توبته.
فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) .
ـ [أبو عبدالله السعيدي] ــــــــ [29 - Aug-2007, صباحًا 12:45] ـ
يتبع إن شاء الله