ثانيًا: إن الإنسان الذي يفتي الناس فيما يسألون عنه من أحكام الشريعة ويبين لهم أمور دينهم يقوم بعمل مهم جدًا، وهو من أهم الأعمال وأعظمها، ولما كان هذا العمل بهذه المنزلة، كان من الواجب معرفة هذا الشخص الذي يؤدي هذا العمل، ولا بد من اتصافه بالعلم والتقوى والورع ونحو ذلك من الصفات الحسنة، وهذا الأمر يُعرف من شهادة الناس له وثنائهم عليه، فالناس كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"أنتم شهداء الله في الأرض ...."الحديث رواه البخاري (1367) ، ومسلم (949) من حديث أنس -رضي الله عنه-، ولا شك أن تزكية العلماء لطالب العلم وشهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى دليلٌ أكيد على صلاحية هذا الإنسان للقيام بهذا العمل العظيم.
ثالثًا: أما بالنسبة لمن تدرج في العلم عن طريق الكتب ولم يجلس في حلقات العلم، فإنه وإن أصاب علمًا كثيرًا بهذه الطريقة، إلا إنه قد يحصل له الخلل والخطأ من حيث لا يدري، فإنه قد يفهم الشيء على خلاف ما هو عليه، وقد تستغلق عليه بعض الأمور المشكلة فلا يجد من يفتحها عليه، وقد يتجه إلى كتب تضر أكثر مما تنفع، وغير ذلك من المحاذير التي تنتفي إذا أخذ العلم عن أهله. ولذلك فإن السلف الصالح ومن بعدهم لم يتلقوا العلم عن طريق الكتب فقط، وإنما أخذوا العلم عن أهله، حيث جلسوا عند العلماء وتتلمذوا على أيديهم، وهم في ذلك يقتدون بالصحابة - رضي الله عنهم -، إذ كانوا يلازمون النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذون العلم عنه، وكذلك الأمر بالنسبة للتابعين، حيث لازموا الصحابة - رضي الله عنهم - حتى فقهوا في الدين، وبلغوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية.
وقد تكلم الشاطبي رحمه الله عن هذه المسألة، ثم قال بعد أن قرر هذا الأمر:"…وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وُجِدت فرقةٌ زائغة ولا أحدٌ مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف. وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم االظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ولا تأدب بآدابهم، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم" (الموافقات1/ 66 - 67) .
ولا يُفهم من هذا الكلام أن طالب العلم لا يلتفت إلى الكتب ولا يطَّلع على ما فيها، كلا ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود أن الأصل أن طالب العلم يلازم العلماء ويأخذ عنهم، ومع هذا فإنه يطَّلع على الكتب التي كتبها أهل العلم ويقرأ ما فيها، وإذا أشكل عليه شيءٌ أو استغلق عليه فهمه سأل أهل العلم عنه، وبهذا يحصل له الأخذ عن العلماء المتقدمين والمعاصرين، فيأمن من الغلط والخطأ، وقد أشار الشاطبي إلى هذا المعنى، حيث قال: إن العلم لا بد أن يؤخذ من أهله، وهذا الأخذ له طريقان، هما:
(1) المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما.
(2) مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، فإنه نافع في بابه بشرطين:
أ - أن يحصل للمطَّلع من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله، ما يمكنه من فهم ذلك العلم.
ب - أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أفضل من غيرهم من المتأخرين. ثم أخذ في شرح هذه الأمور وبيان المراد منها. والمقام هنا لا يحتمل التفصيل، فمن أحب الاطلاع على كلامه في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب الموافقات (1/ 67 - 68) . والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
منقووول
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [29 - Sep-2007, مساء 08:53] ـ
ليست العبرة بالطريقة التي حصّل الإنسان بها الأهلية، وإنما العبرة بشهادة أهل العلم المعروفين له.
فكثير ممن جالس الشيوخ وطلب العلم على يدهم لا تكاد تجده يفقه ما يقول، ويقع كثيرا في التصحيف والتحريف، والخطأ في الفهم.
وكثير ممن لم يجالس الشيوخ وإنما طلب العلم من الكتب تجده بضد ذلك.
وهذا ليس بمطرد، ولكنه موجود، فالحكم على الإنسان بمجرد طلب العلم على الشيوخ من عدمه غير سديد.
وإنما العبرة أن يشهد له أهل عصره المعروفون بالعلم والمعرفة، فمن شهد له أهل العلم فهو من أهل العلم وإن لم يكن معه شهادة، ومن شهد عليه أهل العلم فهو من أهل الجهل، وإن كان معه أعلى الشهادات.
ـ [ابو محمد الغامدي] ــــــــ [29 - Sep-2007, مساء 09:51] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا لك.ياابا مالك العوضي .. بارك الله فيك .. على تعليقكم المفيد.