فهرس الكتاب

الصفحة 3070 من 20085

إنَّ أبعاد القراءة باسم الله كَسَعَة هذا الكون، حسبنا منها الإشارة إلى ما نحن بصدده، أعني القراءة التي تُحقِّق هدفها. إنَّها استحضار رقابة الله حذرًا من الوقوع في الطغيان؛ الطغيانِ في الفهم، فحمل النفس على الفهم تكليف. الطغيان في الدخول على النَّص وقد قررنا ما نريدُه مما لا نريده قبل أن نقرأ حرفًا! إنها باسم الله التي تقينا هذه المصارع. وكما بينت لنا النصوص أنَّ القراءة بلا علم ضلال، بينت لنا أنَّ القراءة دون باسم الله طغيان.

-القراءة الذرية: وهذه القراءة تُفكِّكُ النص، بل وتُفكِّكُ الجملة، وأكاد أقول: بل وتُفككُ الكلمة! إنَّها تغوص في الكلمة وتعزلها عما حولها، ثم تخرج منها لتدخل فيما بعدها دون أيِّ رابطٍ بينهما! إنَّها قراءة"تُقصقِصُ"النَّصَّ وتفهم ـ هذا إنْ فهمت ـ كلَّ جملة، أو كلَّ كلمة بعيدًا عن سياقها، ولذلك فإنها تبني على كلِّ كلمة قرارًا وقضية جديدة لا علاقة لها بقضية النص الواحدة، بمعنى أنها تمتصُّ ـ ولا أقول تفهم أو تستنتج! لأنَّ صاحب هذه القراءة يتفاعل مع النص تفاعلًا غريزيًا فلا يستطيع أن يفهم! ـ من كلِّ كلمة، أو جملة قضية منفصلة! إنَّ النص في هذه القراءة يتكون من مجموعة من الجزر المنعزلة عن بعضها!

يقابل هذه القراءة، القراءة الإحاطية الشمولية، التي تستعرض النصَّ كلَّه، لتفهم عليه ما يريد. وصاحبُ هذه القراءة يُدرك أنَّ أيَّ استبعاد لأيةِ كلمة ـ قصدًا أو سهوًا ـ سينتهي إلى نتائج لم يُردها النصُّ، وأنَّ الفرق بين وجود حرف وعدم وجوده تترتب عليه قضية هائلة رهيبة، قد تكون كالفرق بين الكفر والإيمان، كما حصل في سورة (الكافرون) !

إنَّ سوء الفهم يعود إلى أنَّ القارئ يتناولُ النص، أو ينظر إليه من زاوية معينة لا إحاطة فيها، ولو سعى القارئ إلى امتلاك مهارة القراءة الشمولية، وتناولَ النَّصَّ من مُختلف الزوايا لَبنى فيما بينه وبين الكاتب جسرًا متينًا من التواصل والتفاهم.

-القراءة العصافيرية!!: وأعني بها القراءة التي لا تَراكُم فيها. فصاحبُ هذه القراءة لا يبني شيئًا، يعيش مع النصِّ في لحظة زمنية مُجمَّدة، وقد يستمتع بقراءته، وقد يبكي ويضحك، ثم بعد ذلك كأنَّه لم يقرأ شيئًا! فذاكرته مخرومة، مُستباحة، لا تُمسك ماءً ولا تُنْبِتُ كلأً. قُدرته على الاستحضار معدومة، والأمر عنده أُنُف، دائمًا يبدأ من جديد، فهو بالضبط كالعصفور الذي لا تاريخ له، يقع في نفس الفخِّ الذي وقع فيه قبل قليل! فكيف تتوقع أن يبنيَ هذا النَّمطُ حوارًا مع النص بقصد الوصول إلى الفائدة والتفاعل؟!

-يقابل هذه القراءة، القراءة التراكُميَّة، وهي قراءة تبني على ما سبق، وتربط اللاحق بالسابق، لِتكوِّنَ من بعدُ مجموعةً من الأفكار والفوائد المتراكمة، بها يستطيع القارئ أنْ يَلِجَ إلى النصِّ ليفهم عنه ويتفاعل معه.

-القراءة الغرائزية: ولئن سألتَ صاحبَ هذه القراءة، لماذا تقرأ؟ لقال لك: أنا أقرأ لأنَّني أعرف القراءة! وأمتلك كُتبًا! وعندي حاسوب! وأزيدك: أنا رابط"انترنت"!!! فلماذا لا أقرأ؟! فهل يستطيع هذا القارئ أن يفهم النص، ويتفاعل معه؟! إنَّ القارئ الغرائزي ينظر إلى النصِّ ولا يُبصره!! نظر المغشيِّ عليه من الموت!! ويُفكك حروفه تلقائيًا دون أنْ تدخل هذه القراءة إلى برنامجه الذهني، ومواقفه من النَّصِّ ـ رفضًا أو موافقةً ـ مواقف غرائزية لا عقل فيها، فهي ردَّات أفعال، وسوانح خواطر، وليست مما يقتضيه العقل والفكر! فمن الذي يقابل القارئ الغرائزي؟! إنه القارئ الواعي المريد، الذي يستقبل النص استقبالًا مقصودًا، عقله معه، وذهنه حاضر. يعرف لماذا يقرأ، ويعرف ماذا يقرأ، ويعرف كيف يقرأ. القراءة بالنسبة له نورٌ يمشي به يضيء له الطريق، ويحس معها بالدهشة التي يشعر بها من يطلع على المعرفة.

-إشكالية التَّحيز: من أخطر ما يُعطِّل قيمة القراءة، ويُفقدها غايتها، أن يدخل القارئ على النص وهو مُتحيِّز إلى عاطفة، أو فكرة مسبقة! فإذا فعل ذلك تشوَّش معيار التقويم، وضلَّ مقياس الموضوعية! ولا يخفى على المراقب أن قراءتنا ـ على الأغلب ـ متحيزة عاطفيًا، وفكريًا، فنحن نحب أن نقرأ ما يدغدغ عواطفنا وإن خالف الحقيقة، ونأخذ موقفًا مسبقًا ممن نعرف أنه يخالفنا، أو يطرح ما يزعجنا!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت