فهرس الكتاب

الصفحة 3192 من 20085

2 -وأما قصة خبيب فقال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: (الدعاء بالهلاك لجميع الكفار عندي تردد فيه وقد يستدل بدعاء خبيب حيث قال:"اللهم أحصهم عددًا، ولا تبق منهم أحدًا"

على جواز ذلك، لأنه وقع في عهد الرسول (ص) . ولكن الأمر وقع كما دعا، فإنه ما بقي منهم أحد على رأس الحول، ولم ينكر الله تعالى ذلك، ولا أنكره النبي (ص) بل إن إجابة الله دعاءه يدل على رضاه به وإقراره عليه. فهذا قد يستدل به على جواز الدعاء على الكفار بالهلاك، لكن يحتاج أن ينظر في القصة، فقد يكون لها أسباب خاصة لا تتأتى في كل شيء. ثم إن خبيبًا دعا بالهلاك لفئة محصورة من الكفار لا لجميع الكفار .. ) القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 303)

وقد ذكر الشيخ الكريم علي الفضلي بعض الأدلة لعدم المشروعية وهو القول المخالف لقوله وهي قوية ومما يؤدي هذا:

1 -ما ذكره الشيخ محمد العثيمين رحمه الله بقوله: (أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار، فإنه محل نظر، ولهذا لم يدع النبي(ص) على قريش بالهلاك، بل قال:"اللهم عليك بهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف"

وهذا دعاء عليهم بالتضييق، والتضييق قد يكون من مصلحة الظالم بحيث يرجع إلى الله عن ظلمه) القول المفيد (1/ 302)

ولذلك كان من دعاء السلف من الصحابة والتابعين في عهد عمر 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ:"اللهم قاتل الكفرة الذين يَصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق"فمثل هذا مشروع بأن يدعى على الظلمة المحاربين منهم الذين يصدون عن سبيل الله وأن يدعى على الكفار بالتفرق والاختلاف والتشتت والرعب والعذاب من الجوع والفقر والمرض ونحو ذلك.

2 -أن هذا الدعاء فيه تعدي؛ لأنه من المستحيل إهلاك جميع الكفار فقد دلت النصوص على بقائهم حتى قيام الساعة وفي علامات الساعة ما يدل على ذلك وهي نصوص كثيرة فالدعاء بأمر لا يقع هو من التعدي المنهي عنه.

وما الفرق بين مثل هذا الدعاء وبين أن يدعو المرء بعدم خروج الدجال أو يبعث النبي (ص) أو إسلام جميع الناس أو حصول الخوارق والمعجزات أو غير ذلك مما دلت النصوص على عدم وقوعه أو كونه مخالفًا لسنن الله الكونية.

3 -ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي (ص) هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي (ص) :"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا"

وفعلًا وقع ما كان يرجوه النبي (ص) فأسلم من أسلم منه ونصروا رسول الله (ص) ، وقد قال النبي (ص) وهو في شدة الأذى حين شجت رباعيته:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

ولا يمنع أن يخرج من أصلاب الكفار في كل عصر وفي كل مكان من يكون سببا لنصرة الدين والدعوة إليه، ولو لم يكن من ذلك إلا نجاته من النار لكفى مصلحة شرعية وما شرع الجهاد إلا ليعبد الله في الأرض، وقد عوتب النبي (ص) حين لعن بعض الكفار كما هو معلوم في سبب نزول قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} والحديث في الصحيحين وغيرهما.

والمقصود أن الدعاء عبادة ومطلب شرعي وفق السنن الشرعية والقدرية وهو أحد الأسباب التي يدفع بها المسلمون شر الكفار والظلمة ويبقى أسباب أخرى مادية تضم إلى الدعاء لئلا يتكل المرء على الدعاء فقط ومن ذلك:

1 -بيان موقف المؤمن تجاه الكفار من البراءة والبغض والكراهية وعدم موالاتهم أو مودتهم فيبين ذلك لعامة المسلمين الذين جهلوا هذه العقيدة أو تساهلوا فيها.

2 -بيان خطر الكفار ومخططاتهم وعدائهم للمسلمين.

3 -بيان ما يفعله الكفار في كثير من بلاد المسلمين عسكريًا وفكريًا.

4 -الاستعداد بالقوة كما قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعنم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}

5 -نشر الإسلام بالعقيدة الصحيحة والدعوة إليه في جميع بقاع الأرض.

فبمثل هذا يعز الالمسلمون بالدعاء والعمل والصبر على البلاء وبذل النفس والمال في سبيل الله أما أن يعيش المرء في الأوهام والخيالات ويأكل الملذات ثم يدعو الله ان يهلك الكفار جميعًا وهو سالم غانم فهذا لم يفعله الأنبياء ولا الصالحون من عباد الله في جميع العصور ولا يوافق سنن الله الكونية والقدرية من الابتلاء ومصارعة الحق والباطل وإلا لما خلق الله الشيطان ولما أهبطنا إلى الأرض ولجعل الناس كلهم مؤمنين وقد قال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}

وقال تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد}

وقد قتل عدد كبير من أنبياء الله واستشهد كثير من أصحاب رسول الله (ص) وهم أكثر الناس عبادة وأقربهم إلى الله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت