عاش الصنعاني رحمه الله حياته مكبا على العلم ونشره والدعوة إليه، ولم يطلب جاها أو سلطانا، ولما ولاه المهدي العباس أوقاف صنعاء في رمضان عام 1161ه باشر أعمال الوقف بصدق وأمانة، واتخذ بيتا صغيرا قريبا من بيته لسِجن فيه من يستحق التأديب فرارا من السجن بقصر صنعاء للتأثم عن زيادة العقوبة، ثم اعتذر عن الوقف وقال: إن ولايته للوقف عقوبة من الله على ذنب يعلمه بعينه، وأوصى بأن يتصدق من تركته بمائة قرش، ومائة قرش لفقراء بني هاشم تورعا من الوقف (17) .
وقد عرض عليه المتوكل القاسم بن الحسين تولية القضاء في بندر"المخا" (18) ، فامتنع، ثم عرض عليه الوزارة فامتنع، ثم القضاء العام والتصدر على الأعلام فامتنع من قبول جميع ذلك، واستقر على عادته في التدريس ونشر الإفادة (19) .
وكانت العبادة هَمُّه وذكر الله شغله، وقد قال في قصيدة أرسلها إلى والده عند عزمه للحج في عام 1132ه:
ومن كان ذكر الله زاد رحيله
كفاه عن الزاد المجازى وأغناه
ومن كان بيت الله غاية همه
فطوبى له إن نال ما يتمناه (20)
وقد قال فيه صديق خان:"كان إماما في الزهد والورع. حكى بعض أولاده أنه قرأ في صلاة الصبح وهو يصلي بالناس"هل أتاك حديث الغاشية"فبكى وغشى عليه (21) ."
وكان دائما يذكر نفسه بلقاء ربه، فيقول في نحو سنة 1170ه وقد حمل العصا في يده:
ما حملت العصا يضعف ولكني
رأيت الرحيل مني قريبا
فحملت العصا لتذكير نفسي
أنني صرت في الأنام غريبا (22)
ثانيًا: سيرته العلمية وتشتمل على ما يلي:
1 نشأته وتحصيله العلمي:
نشأ الصناعني في بيئة علمية، فجده كان عالما فاضلا (23) ، وأبوه كان من العلماء المحققين في معظم الفنون، يقول عنه حفيده إبراهيم:"حقق الفقه والفرائض ودرس ونقل ونظم واشتهر بالعلم والفضل والزهد والورع والتقوى وحسن الخلق، ولطف الطبع والتقشف الباهر ولينن الجانب، ومجانبة الدول وأربابها ..." (24) ، وهكذا ذكر عنه صديق خان (25) ، والمؤرخ زبارة (26) .
وقد تأثر الصنعاني بالجو العلمي المحيط به، فحفظ القرآن عن ظهر قلب، وبدأ بالطلب وهو صغير السن، فدرس الفقه والنحو والبيان وأصول الدين والحديث وتفوق في ذلك، حتى أعجب به مشايخه، وقد ذكر الشوكاني أنه قرأ الحديث على أكابر علماء مكة والمدينة وبرع في جميع العلوم وفاق الأقران وتفرد برئاسة العلم في صنعاء (27) .
وقد أحب الصنعاني العلم والبحث وتطلع إليها فاستهان المشاق في سبيل الطلب، فقد روى عنه أنه كان يكتب"زاد المعاد"لابن القيم، وكتاب"بهجة المحافل"على ضوء القمر لعدم توفر السراج، ولمَّا وصل عالم زبيد الشيخ"عبد الخالق المزجاجي"إلى صنعاء انصرف الصنعاني إليه ليدرس على يديه صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود، وكان الناس يذهبون إلى البيت الحرام للحج، ولكن الصنعاني كان يذهب للحج والعلم معا (28) ، كما سيتضح من رجلاته.
2 رحلاته في طلب العلم:
للرحلة في طلب العلم مكانة كبيرة بين العلماء والمحققين، وعند علماء الحديث بوجه أخص، وقد نشأت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم فجابر بن عبد الله رضي الله عنهما يرحل من المدينة إلى الشام ليقف على حديث واحد (29) .
ولقد سار على هذا النهج الأمير الصنعاني، فرحل إلى أرض الحرمين الشريفين ليؤدي نسكه ويلتقي بالعلماء والمحققين ويأخذ العلم عنهم، ولقد حج أربع مرات في كل مرة كان يلتقي بالمشايخ ويستفيد منهم ويلازمهم، وكانت رحلته الأولى في عام 1124ه كما ذكر ذلك صاحب كتاب نفحات العنبر، وقد أخذ الصنعاني في هذه الرحلة عن ابن أبي الغيث أوائل الصحيحين وغيرهما وأجازه إجازة عامة، كما أخذ عن الشيخ طاهر بن إبراهيم الكردي، ثم ذهب إلى الحج للمرة الثانية عام 1132ه، وزار المدينة النبوية واجتمع فيها بالشيخ الحافظ أبي الحسن ابن عبد الهادي السندي، وكانت بينهما مباحثة ومراسلة علمية، ولم يرجع إلا في ربيع الأول من عام 1133ه، ثم حج الحجة الثالثة عام 1134ه، واجتمع في الحجاز بالشيخ العلامة الأشبولي، والشيخ عبد الرحمن بن أسلم وغيرهما، وقرأ على الشيخ العلامة محمد بن أحمد الأسدي شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، وشرع في تأليف حاشيته عليه المسماة:"العدة على شرح العمدة"وقرأ في علم التجويد على الشيخ المقرئ الحسن بن حسين شاجور، وأخذ عن الشيخ سالم بن عبد الله البصري في مسند الإمام أحمد بن حنبل، وفي صحيح
(يُتْبَعُ)