فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 20085

فإن كان هذا هو شأن الكلمة الواحدة، فكيف بالجُمل المحرمة التي دأب الناس عليها في منتدياتهم التي لا تطيب لهم ولا تحلو من دونها، ولا يعملون حسابها ظنًا منهم أنه ليس هناك مؤاخذة على الكلام! وكأنهم لم يعلموا ما قاله النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لمعاذ رضي الله عنه، قال معاذ: فقلت يا نبي الله وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟!» .

الغيبة:

قال الله تعالى: ?وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ? . ما هي الغيبة ... ؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قيل: يا رسول الله! ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» . هذه هي القاعدة التي علمنا إياها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لنعرف بها حد الغيبة، وهي القاعدة التي يجب أن يضعها نصب عينيه كل من يريد أن يتحدث عن أخيه المسلم في غيبته. فالذي يريد أن يتكلم عن أخيه حتى ولو كان فيه ما يقول، ويعلم أنه لو بلغه كلامه لكرهه، فليمسك لسانه عن ذلك، وإن كان لا بد فلا يقل إلا خيرًا، وإن أبى إلا أن يتبع هواه فليعلم أنه صاحب غيبة، عاص لربه، وآكل للحم أخيه.

والغيبة: «ذكرك أخاك بما يكره» ... سواء ذكرته بنقصان في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه، حتى في ثوبه وداره ووسيلة تنقله. قال الحسن: ذكر الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفك، وكل في كتاب الله عزَّ وجلَّ: فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفك أن تقول ما بلغك عنه. والغيبة لا تقتصر على اللسان فقط، بل كل ما يفهم الغير نقصان أخيك المسلم فهو داخل في الغيبة، قال النووي: «سواء ذكرته بلفظك أو في كتابك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك. وضابطه: كلما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة» . عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: حسبك من صفية كذا وكذا -تعني: قصيرة - فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر مزجته!» . الله أكبر ... ! كلمة واحدة لو مزجت بماء البحر لمزجته ... ! فما بالك بما هو أكثر من كلمة؟!. وعدم تعرضك لشخص معين ولكن الغير يفهم من كلامك شخصًا معينًا تتكلم عنه فهو غيبة. وسواء عليه اغتاب أخاه أم بهته، فإنه قد لا ينجو من الوقوع في الإفك عندما يقوم أعضاء المنتدى بنقل كلامه إلى منتديات أخرى، هذا إن لم يكن قد وقع فيه فعلًا بنقله لهم ما بلغه عن أخيه من أشخاص آخرين ولم يكن قد رأى ذلك بنفسه، قال الله تعالى في الذين جاؤوا بالإفك: ?إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ? .

كتابات الغيبة بلباس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لقد استطاع الشيطان أن يغري الكثير من الناس الذين يظنون أنهم يحسنون صنعًا بأمرهم بالمعروف أو نهيهم عن المنكر على صفحات المنتديات، ولم يدركوا أنهم إنما يفعلون ذلك بالطريقة التي يحبها الشيطان ويرغِّب بها وأغراهم بممارستها، وهي درجة غير الدرجات الثلاث التي حددها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» . لقد ضللهم الشيطان وزين لهم أعمالهم، ولم يعلموا أن ما يفعلونه ليس من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر في شيء، وإنما هو محض الغيبة بكل علاماتها وآثارها ونتائجها، فتراهم في منتدياتهم يخوضون في أعراض المسلمين، ويكشفون عوراتهم، ويتفكهون بذلك وهم يظنون أنهم ينهون عن المنكر ... !. لقد تحولوا عن الوجهة الصحيحة ولم يسلكوا سبيل المؤمنين في هذا الباب، وخالفوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنهم لم ينهوا عن المنكر كما أمر فوقعوا في الغيبة، فمن شروط ذلك أن يكون النهي بين الطرفين سرًا على انفراد وليس تشهيرًا أمام الناس. وانطلت عليهم حيلة الشيطان الذي ألبس الغيبة لباس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوهمهم أن ذلك لا يعد من الغيبة طالما أنه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت