فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 20085

ثمّ إنّ الاحتجاج بقولهم خطأ من الأساس لأنّ العتيرة نفسها في حكمها خلاف وفيها نصوص صحيحة متعارضة بعضها يجيز وبعضها يمنع، فاختلفت مواقف الفقهاء تجاهها، فقال بعضهم بالنسخ وقال بعضهم بالجواز وقال بعضهم باستحبابها، فمن أجاز الأكل من العتيرة لعله من هذا الباب، خصوصًا وأنّ كثيرًا منهم أجازها بقيد أن لا تكون في زمن محدّد كما جاء ذلك منصوصًا في بعض النصوص، وهذا يدل على نقيض ما يريد الشيخ أن يستدل له، إذ الجواز يقيده البعض أن لا تكون عيدًا كأعياد الجاهليّة.

قال الشيخ: (أن يحتفل الناس أو يفرحوا بحدث زوال الاستعمار في بلد مثلًا، هذا ما يسمى باليوم الوطني غالبًا عندنا في أفريقيا، أو في البلاد التي كانت مستعمرة، فالأمر إن شاء الله لا حرج فيه)

أقول: لو كان الدين بالرأي لكان لقول الشيخ وجه، أما والدّين ليس بالرأي فلا يكفي فيه (لا حرج) بل يجب القول في الدين إباحة وتحريمًا بدليل معتبر، وما استدل به الشيخ إلى الآن في معارضة من قال بالتحريم مجرد رأي والراي ليس حجة على النص.

قال الشيخ: (أما أن نتشبث: بأن أبدلنا الله عيدين، هذه أعياد كانت للأنصار وكانت أعياد جاهلية وأصنام، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- ذكر أن أعياد الإسلام الدينية عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى، وهذا لا يفهم منه أنه يمنع أن يتجمع الناس في تجمع)

أقول: ما قاله الشيخ ليس بصحيح، بل أعياد الجاهلية ليست كلها من أجل الأصنام، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يذبح في مكان كان الكفار يعملون فيه عيدًا وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيدًا، بل يذبح فيه فقط: فقد ظهر أن ذلك سد للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببًا لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيدًا، مع أن ذلك العيد إنما كان يكون - والله أعلم - سوقًا يتبايعون فيها، ويلعبون، كما قالت له الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم ولهذا فرق صلى الله عليه وسلم بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد) (1) ، وهذا استدلال بالنص من شيخ الإسلام لا يُعارض بمجرد ظن يظنّه المرء.

والنص الذي ذكره الشيخ ليته ذكره كاملًا ليتبيّن أنّه يتعارض مع قوله تمامًا، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر».

فالنص فيه أنّ اليومان مجرد لعب ولهو، ومع هذا لم يقرهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين، والإبدال من الشيء، يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك إجتماعهما، كقوله سبحانه: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} وقوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} . وقوله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} . وقوله: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} .

ومنه الحديث في المقبور: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به خيرًا منه مقعدًا في الجنة، ويقال للآخر: انظر إلى مقعدك من الجنة، أبدلك الله به مقعدًا من النار.

وقول عمر رضي الله عنه للبيد: ما فعل شعرك؟ قال: أبدلني الله به البقرة وآل عمران. وهذا كثير في الكلام.

فقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يقتضي ترك الجمع بينهما لا سيما وقوله: خيرًا منهما يقتضي الأعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت