ولذا قالت عائشة رضي الله عنها: ما ضَرَبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل. رواه مسلم.
ولا يمشي إلا لله، فلا تحمله رجلاه إلى فاحشة ولا إلى مكان تُنتهك فيه محارم الله عز وجل.
ولذا عُد من الفخر قول معن بن أوس:
لعمرك ما أهديت كفي لريبة = ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها = ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة = من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
ولست بماش ما حييت لمنكر = من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
وإذا أسلمت الجوارح والأعضاء لله عز وجل سلِمت من زنا الجوارح
ذلكم الزنا الذي قال عنه عليه الصلاة والسلام: إن الله كتب على بن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنّى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. رواه البخاري ومسلم.
فهل أسلمت جوارحنا لله؟
هل سلم الناس من ألسنتنا؟
هل سلم الأقربون - قبل غيرهم - من ألسنتنا؟
فلم نغتب
ولم نَنِمّ
ولم نبهت
ولم نكذب
ولم نقل بقول الزور
ولا بشهادة الزور
ولا بالإفك نطقنا
ولا بالحلف الكاذب أكلنا
ولا إلى الشر سعينا
ولا بالأيادي ضاربنا وضربنا!
إن اللسان أخطر جارحة، فإذا أسلم اللسان سلِم منه صاحبه قبل غيره
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: الفم والفرج. رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.
ومن حفظ جوارحه فقد ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة.
قال عليه الصلاة والسلام: من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه، أضمن له الجنة. رواه البخاري.
وقال عليه الصلاة والسلام: اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم.
وعن أبي قراد السلمي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بطهور، فغمس يده فيه، ثم توضأ فتتبعناه فحسوناه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قلنا: حب الله ورسوله. قال: فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله، فأدوا إذا ائتمنتم، واصدقوا إذا حدّثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم. رواه الطبراني في الأوسط وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، وهو في صحيح الجامع.
إن اللسان هو أكثر ما يُذهب الحسنات.
ولذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيَتْ حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار. رواه مسلم.
أرأيتم كيف ذهبت حسناته التي تعب في جمعها في الدنيا؟
لقد ذهبت عن طريق لسانه ويده!
ما أسلم لسانه ولا أسلمت يده.
ما سلم المسلمون من لسانه ويده.
تأمل خطايا هاتين الجارحتين:
شتم هذا، وقذف هذا ... من آفات اللسان.
وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا ... من آفات اليد.
فهل أسلمت جوارح من كان كذلك؟
ثم تأملوا حال تلك الصوّامة القوّامة المتصدّقة التي تفعل الخير.
قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتفعل، وتصّدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال: لا خير فيها، هي في النار. قيل: فإن فلانة تُصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بأثوار من أقط، ولا تؤذي أحدا بلسانها. قال: هي في الجنة. رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
أرأيتم كيف ذهبت حسنات تلك الصوّامة القوّامة المتصدّقة التي تفعل الخير، لقد أذهبها اللسان وحده!
فلا هي سلمت من تبعات وخطورة لسانها، ولا سلم أقرب الناس إليها من لسانها.
فإذا أسلمنا فلتسلم منا الجوارح
ولتنقاد ولتذعن لخالقها وباريها، مُعلنة أنها أسلمت لله رب العالمين.