فهرس الكتاب

الصفحة 3729 من 20085

"الصفاء العذب، والحزن المبهم، والقلق، والاضطراب"على طبيب نفسي خير له وللعلم من أن يفسر به أشكالا هندسية في صومعة، أو قبة مسجد، أو زوايا قلعة! لقد ضل كثير من مؤرخي الجمالية الغربيين الطريقَ إلى معالم الجمال الحق في الإسلام، وأخطؤوا مواطنَ علم الجمال في التجربة الإنسانية الإسلامية! فأنكرها بعضهم، وبقي البعض الآخر أسير الجدران والأسوار يحاول فك رموز النقوش وأشكال الزخارف، كما يحاول العالم الأركيولوجي فك رموز بدائية، في قطعة حجرية من عصور ما قبل التاريخ.

إن الجمالية الإسلامية تنبع أولا من حقائق الإيمان، إذْ تَشَكَّلَ الوجدانُ الإنساني فيها مما تلقاه من أنوار عن رب العالمين، الرحمن الرحيم، وما انخرط فيه بعد ذلك؛ سيرا إلى الله تعالى عبر أشواق الروح، مبدعا - باتباع تعاليم نبيه صلى الله عليه وسلم - أروع ألوان التعبير الجمالي، من سائر أشكال العبادات والمعاملات والعلاقات، انطلاقا من حركته التعبدية في جمالية الصلوات ولوحاتها الحية الراقية وما يَنْظِمُهَا من عمران روحي ومادي، إلى هندسة المدائن الإسلامية بما تحمله من قيم روحية سامية، وقيم حضارية متميزة جدا، إلى سائر النشاط الإنساني الذي أبدعه المسلمون في علاقتهم بربهم وعلاقتهم بأنفسهم وبغيرهم، إلى علاقتهم بالأشياء المحيطة بهم، بدءً بالمسخَّرَات من الممتلكات والحيوان، إلى المحيط الكوني الفسيح، الممتد من عالم الشهادة حولهم إلى عالم الغيب فوقهم ... كل ذلك تفاعل معه المسلم؛ فأنتج أروع الأدبيات التعبيرية والرمزية، مما لا تزال تباريحه المشوقة بالمحبة، من الترتيل إلى التشكيل تفيض على العالَم بالجمال والجلال أبدًا.

إن العمارة الإسلامية - رغم ثرائها الجمالي الرفيع - هي آخر ما ينبغي الاشتغال به لمن أراد أن يدرس الجمالية الإسلامية في مصادرها الأولى. لأن حصون المدائن وجدرانها إنما هي التجليات المادية المعبرة عن أشواق الروح، الفياضة عبر القباب والمآذن مندفعة بقوة نحو السماء. وإنما هي صورة التعبير الرمزي عن معاني الاحتضان العاطفي وقيم الأخلاق الاجتماعية والحنان الرَّيان بما امتازت به من حياء وتستر وانحناءات، تتلوى أضلاعها الخفاقة بالمحبة بين الدروب، تسلك بالرجال والنساء مسالك الحشمة الرقيقة والوقار العالي، إلى المساجد وإلى الغرفات والشرفات الكاشفة الساترة ... ثم تنشر أسرارها نقوشا وزخرفة تتبادل الأدوار مع أحرف الخط العربي بشتى أشكاله، في كلمات ناطقة حينا، وناظرة أحيانا أخرى ... كلها تتدلى مثل العناقيد من بين الأقواس، تستقبل مواجيد المحبين وترد سلام المتبتلين، لتتوحد معهم في صلاة أبدية خالدة.

ولقد دَبَّجَ المسلمون في مصنفات المحبة والسلام تباريحَ الأشواق أنى مرساها، ووصفوا مقامات النور كيف مجراها، ورسموا كلمات الجمال بما لا قِبَلَ به لأحد من العالمين. (6)

وكأنما الفرق في"الجمالية"بين مفهومَيْها الغربي والإسلامي كالفرق بين الطبيعة والتمثال أو بين الحقيقة والخيال. ولم تكن الصورة التي يبدعها المسلم ثابتة قارة يأكلها البِلَى في متحف"اللوفر"أو غيره من متاحف العالم، ولكنها صورة حية يشكلها بإبداعه اليومي بين ركوع وسجود، وطواف وسعي، أو بين صوم وتبتل، وانقطاع يصله كليا بالملأ الأعلى ... ثم مواجيد يتنفسها بعد ذلك كلماتٍ وكتاباتٍ ذات صورٍ الجمالُ فيها له روح، صور لا تبلى أبد الزمان: ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا? (الفتح:29) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت