فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كما أتذكر حين انطلقت بعض الفضائيات الإسلاميَّة المنضبطة بالإسلام وتعاليمه، قام أحد الفضلاء وقتئذٍ، وقال: هذا الإعلام ولو كان إسلاميًا ولكنَّه موجَّه من الماسونيَّة العالميَّة التي تسيطر على الإعلام، ثمَّ قال: (إذا دخلت هذه القناة الإسلاميَّة إلى البيوت فعلى الأمَّة الإسلاميَّة السلام!) .
هكذا قال ـ عفا الله عنَّا وعنه ـ و قد استعجل سوء الظنِّ بها، وجهل حقيقة نتاجها الطيب الذي تقوم به بعض القنوات العلميَّة والشرعيَّة والفكريَّة الإسلاميَّة من الخير العميم!
هذه العبارات وأمثالها لا أراها إلاَّ تحطيمًا وتنفيرًا وقد تكون نقمة؛ بسبب حزبيَّةٍ، أو عنصريَّة، أو لجهل؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، وقد كان بإمكان ذلك الشخص أن يمتدح عملًا إسلاميًا نبت بعد أن غرست بذوره، وقام على ساقه، فإن رأى بعد ذلك في تلك النبتة اعوجاجًا فإنَّ بإمكانه أن ينصح وينقد نقدًا هادفًا بنَّاء؛ يعلم القاصي منه والداني أنَّ القصد لم يكن إلاَّ تشجيعًا على قيام مثل هذه الأعمال المباركة، وأمَّا الملاحظات عليها وذكر نواقصها فللمرء أن يتحدَّث بذلك ما دام أنَّ هذا مراده ومقصده، وليس التحطيم أو التنفير، أو التنقير عن كل خطأ حدث، فتبدأ ألسنة المتشائمين ونظرات القاعدين، تعمل عملها تجريحًا وإسقاطًا، ولا يستفيد منهم المجتمع ـ هذا إن استفاد ـ إلاَّ بإبراز الثلب والنقص، وصدق القائل:
تريد مهذبًا لا عيب فيه * وهل عود يفوح بلا دخان؟!
كما أنَّه من المؤسف أن نقول إنَّ من بعض أبناء المسلمين، من تبلغ به الإساءة لجهود الآخرين والتطويح بها، أنَّهم إن وجدوا قصورًا في عمل ما، تجدهم يحاولون أن يظهروا ذلك العيب ويبرزوه، وينسوا ما قام به ذلك المشروع أو ما أبدعت به تلك المؤسَّسة، وهلمَّ جرًَّا من أعمال الخير، ولكنَّهم لا يتذكَّرون إلاَّ إبداء المعايب والنقائص، فهم كما قال الإمام الشعبي: (والله لو أصبت تسعًا وتسعين وأخطأت مرَّة واحدة لعدُّوا عليَّ تلك الواحدة) وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حين تحدَّث عن أمثال هؤلاء: (أنَّهم كالذباب لا يقع إلاَّ على الجرح) ، ولذلك لا تجد نظراتهم تسقط إلاَّ على مكامن الإساءة، ومنافذ الخطأ والقصور، ويرون نصف الكأس الفارغ، ولا يرون نصفها الآخر المليء، وحقًا: (لقد صرنا في وقت لا يكاد الشخص يقدر على النطق بالإنصاف) كما قال الإمام الذهبي!
• دعوة للتفاؤل والتشجيع:
من الضرورة بمكان أن يقدِّم كل واحد منَّا نصحه، مقوِّمًا للمسيرة، وناصحًا للمشاريع ومؤسسيها، إن رأى منها قصورًا أو خطأً، فكلٌ يجري عليه الخطأ، ويقع منه التقصير.
وكذلك فإنَّ التشجيع والتحفيز لمبتغي عمل الخير ولو كان قليلًا، أمرٌ حبَّذته الشريعة، وأمرت بالقيام به وعدم احتقاره أو التقليل من شأنه، ولهذا نجده ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يقول: (لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) وقال عليه السلام: (وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة) وقال: (وتميط الأذى عن الطريق صدقة) وقال: (لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فرسنَ شاة) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالَّة على ضرورة تشجيع أي عمل خيِّر من عباد الله المسلمين.
وهاكَ موقفًا تتجلَّى فيه روح التشجيع منه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لأحد من أسم يوم غزوة الخندق فقد أتاه الصحابي الجليل نعيم بن مسعود بن عامر ـ رضي الله عنه ـ يوم الخندق فقال: «يا رسول الله! إني قد أسلمت؛ فمرني بما شئت!» . فقبِل - صلى الله عليه وسلم - إسلامه، ثم قال له بعد أن طلب منه نعيم بن مسعود أن يأمره بما شاء: «إنما أنت رجل واحد؛ فخذِّلْ عنا ما استطعت؛ فإن الحرب خدعة» .
فقام هذا الصحابي بفعلة عظيمة أوقعت الخلاف والشقاق بين الحليفين المتواطئين على غزو المدينة؛ حيث إنَّه ذهب إلى اليهود وإلى قريش والقبائل التي تمالأت على حرب المسلمين - صلى الله عليه وسلم - فأفسد كل طائفة على صاحبتها، حتى جعلهم أعداءً، وفرَّق كلمتهم، وأضعف ثقة كل فئة بالأخرى، فتخاذلوا جميعًا عن الحرب، ثم أرسل الله عليهم جندًا من جنده ريحًا عاصفة، فقوّضت خيامهم، ولم تدع قِدْرًا إلا كفأتها، ولا طِنْبًا إلا قلعته، وكفى الله المؤمنين القتال.
شاهدُ ما أحببت التنبيه إليه أنَّ الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم ينظر نظر ازدراء أو تحطيم حين أسلم رجل من الكفار في هذا الموقف العصيب، بل أشاد به وألقى إليه كلمة محفِّزة له على العمل وبذل الجهد في تحطيم كيد الكفرة وجعله في نحورهم.
طوبى وحبًا وكرامة، لمن كان مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وصدق رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إنَّ من الناس ناسًا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإنَّ من الناس ناسًا مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن كان مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل مفاتيح الشر على يديه) أخرجه ابن ماجة في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه، والحديث حسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم: (1332)
أختم فأقول: لقد قدَّم هؤلاء الفضلاء والدعاة ما لديهم من مشاريع وأفكار لنصرة هذا الدين، فماذا قدَّم أولئك المثبِّطون سوى التقليل من الجهود الخيِّرة الإسلاميَّة، فأولئك قدَّموا مشاريعهم؛ فماذا قدَّم المحبطون لجهود غيرهم من مشاريع؟!
* نشر هذا المقال في موقع المسلم، على هذا الرابط:
(يُتْبَعُ)