وتصديقها يكون بانطباق الاسم على المسمى واللفظ على المعنى ويوافق التصديق التصور، وهذا إنما يكون بعرض ما عليه المدعي عقيدة وعملا وسلوكا على ميزان الشرع ومقياس الوحي من كتاب الله وسنة رسوله (ص) وبفهم السلف من الصحابة والتابعين، فبقدر ما يوافق ذلك يحصل له من الاتصاف بهذا الوصف بقدر الموافقة وبقدر ما يخالفه يفقد من هذا الوصف بقدر المخالفة.
الأمر الثاني: لا بد من معرفة معنى الوسطية في الشرع، وذلك ان بعضهم يفهم منها أنه الوسط بين الطرفين دوما وهذا ليس بصحيح بل هو أعم من ذلك فيأتي لمعان أخرى منها:
-العدل والخيار ومن ذلك قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم امة وسطًا} قال النبي (ص) في تفسير الوسط: العدل رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ -.
فالمتبعون للنبي (ص) عدول خيار يتصفون بوصف العدالة في أنفسهم وهم عدل في أحكامهم على غيرهم وعدول في عدم التعدي عليهم في حقوهم الشرعية في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، وفسرها ابن جرير هنا بأنه التوسط بين الإفراط والتفريط.
ومن هذا أيضا قوله تعالى: {قال اوسطهم ألم اقل لكم لولا تسبحون} أي أعدلهم وخيرهم كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وياتي (الوسط) بمعنى الأمر الذي يكون بين الجيد والرديء وبالتالي فالجيد هنا يكون أفضل من الوسط ومن ذلك قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي ما بين الجيد والرديء والأعلى والأدنى على أحد التفسيرين للآية، وبعضهم جعل الوسط هنا بالمعنى الأول وهو الأجود والأفضل.
والوسط قد يكون وسطًا حسيا سواء في الأوقات كوسط النهار أو الأماكن كوسط الدار، وقد يكون معنويا فتقول هذا وسط في بني قومه.
الأمر الثالث: للوسط ما يضاده في المعنى كالغلو والتفريط والإفراط والجفاء والتطرف ونحوها من المصطلحات وبمعرفة هذه الألفاظ بمعانيها وما يندرج تحتها يزيد اتضاح الوسطية فبضدها تتميز الأشياء، وهذه المصطلحات تشمل العقيدة والعمل والسلوك، لكن ينبغي أن يعلم أنه كما حصل ادعاء الاتصاف بالوسطية كذلك حصل الرمي للمخالف بهذه المصطلحات لكن حيث قلنا يعرف انطباق وصف الوسطية بعرض ذلك على الشرع فكذا هنا يعرض وصف الغلو والجفاء والتطرف ونحوها على ميزان الشرع.
وعليه فنستطيع أن نقول إن الوسطية هم:
1 -العدول في أنفسهم الخيار الذين يجمعون بين العلم النافع والعمل الصالح، ويقيمون العدل في أنفسهم وعلى الخلق.
2 -الذين يزنون عقائدهم وعباداتهم وسلوكهم بميزان الشرع كتاب الله وسنة رسوله (ص) بفهم السلف.
3 -والذين لا يسلكون مسلك أهل الغلو لا في عقائدهم ولا في عباداتهم ولا في سلوكهم.