أن يراجع نفسه،
يسمع قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) )وأربعة أيام لا يستطيع أن يملك نفسه، لماذا؟ لأن بقية وقته، وطيلة عمره في القيل والقال، ما تعرف على الله في الرخاء ليعرف في الشدة، على كل حال على طالب العلم أن يسلك الجادة، وأن يهتم بنفسه، وأن يحرص كل الحرص على اكتساب المغانم قبل فوات الأوان.
أقول: قليل من أهل العلم من سجل هذه الفوائد التي مرت عليه سواءً كانت منه أو من غيره في مدون على أن أكثر هذا القليل، الكثير من هذا القليل من الرحلات المدونة، عني كاتبوها فيه بذكر الآثار في بلاد الحرمين، وكثير منه لا يسلم من ابتداع، وهم يتفاوتون: منهم المبتدع البدعة المخففة، ومنهم من دون في رحلته البدع المغلظة.
من هذه الرحلات المدونة، بل من أقدمها: رحلة ابن جبير، وهو أبو الحسين، هذه رحلته، رحلة ابن جبير أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي الشاطبي البلنسي، مولده ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية، أخذ القراءات وعني بالأدب فبلغ الغاية فيه، وتقدم في صناعة القريظ والكتابة.
ومن شعره أثناء رحلته يقول:
لا تغترب عن وطنٍ ... واذكر تصاريف النّوى
أما ترى الغصن إذا ... ما فارق الأصل ذوى
قال هذين البيتين لما رأى غصنًا مال عن الشجرة فاصفر، هو الرحالة المشهور ويقول:
لا تغترب عن وطنٍ ... واذكر تصاريف النّوى
أما ترى الغصن إذا ... ما فارق الأصل ذوى
أبلغ من ذلك قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (( السفر قطعة من العذاب، أو من نار ) )؛ معروف أنه يعوق عن تحصيل كثير مما كان يحصله في إقامته، لكن من رحمة الله -جل وعلا- بعباده أن جعل العمل يجري لصاحبه الذي كان يفعله في الحضر يجري له أجره إذا سافر أو مرض.
يقول ابن الخطيب، لسان الدين ابن الخطيب في حقه: أنه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة بالآداب وله الرحلة المشهورة، وقال في نفح الطيب: كان انفصاله من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ووصل الإسكندريّة يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة من السنة، فكانت إقامته على متن البحر من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يومًا، ثلاثين يومًا وهو في البحر، إقامته في البحر، وفي مجيئه من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يومًا، لكن رجوعه إلى الأندلس على متن البحر الأبيض المتوسط ذكروا ستة أشهر؛ لأنه كلما قارب الوصول جاءت ريح ردته إلى مبتدئه، وعلينا أن نشكر هذه النعم التي نتقلب فيها.
شيخ كبير جاوز التسعين من عمره صام يوم عرفه في بلده في الرياض، وأفطر مع أولاده، فلما رأى منظر الانصراف من عرفة إلى مزدلفة بكى، فقال له ابنه البار: ما الذي يبكيك؟ قال: يحج الناس وأنا في الرياض؟ قال: اركب، وحج في تلك السنة على السيارة، لا على الطائرة، على السيارة ركب بعد أن أفطر ووصل إلى عرفة قبل طلوع الفجر، ثم نزل إلى مزدلفة ثم إلى منى وهكذا وحج!
وهؤلاء يمكثون الأشهر الطوال، وكتب التاريخ مملوءة بالعجائب في أخبار الحجاج، وكانت الطرق غير آمنة، قل من يسلم، كثير منهم يعطب، ذكروا في كتب التواريخ العجائب.
ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- عن رجل أنه حج تسعين مرة حافيًا، نعم الحج حافيًا ليس بالمشروع، لكن يدل على حرص شديد وذكروا أيضًا من الغرائب أن قدميه كقدمي العروس، مع هذه المدة، وإن كان الخبر ما يسلم من نكارة، ويبقى أن له أصل، .... يحج عشر مرات أو عشرين مرة على قدميه من بغداد كثير.
وذكروا في ترجمة شخص أنه حج ثلاث مرات من بغداد ماشيًا، فلما قدم من الحجة الثالثة دخل البيت، فإذا أمه نائمة، فنام بجانبها لم يوقظها فانتبهت فرأته بجانبها فقالت: يا فلان أعطني ماءً فتثاقل كأنه لم يسمع، ثم قالت له الثانية: أعطني ماءًا، ثم لما قامت الثالثة: قام إلى شن معلق وأعطاها شيئًا من الماء، ثم مكث بقية ليلته يحاسب نفسه، أحج ماشيًا، والماء أمتار، أحج نفل ماشيًا والواجب الذي هو البر، والماء على بضعة أمتار يثقل عليَّ؟!! شك في نيته وإخلاصه، فذهب يسأل، ذهب يسأل، معروف أنه لو سأل أحد من الفقهاء فقال له: عليك أن تخلص وتراجع نفسك وتندم وتستحل والدتك، وحجك صحيح ولا عليك شيء، لكنه سأل شخصًا من أطباء
(يُتْبَعُ)