فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكذا روى الترمذي بإسناد صحيح عن خَبَّاب يقول سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ? يَقُولُ يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا الْبِنَاءِ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه العلامة الألباني وهو في صحيح الجامع. فأَدخَلُوا عُقولَهم في هذا فقالوا لو أَحسَنَ المرءُ النيةَ في البناءِ لكان أمرًا طيبًا يُؤجرُ عليه، ويُقالُ لهم أعَلِمتُم ما لم يعلَمْه الرسولُ ? وانتبهتم إلى ما لم ينتبه إليه، ولو كان ما تقولونه صحيحًا فما مقصود التخصيصُ في الحديث على البناء إذ كل أمر مقررٌ أنه يحسُن بحسن النية ويسوء بسوئها .. فهلا نفرغ من هذا التدخل العقلي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع؟ ومعلوم ومقرر أن المرء عليه أن يُراعي مشاعرَ جارِه ويحافظُ عليها في الطعامِ فما بالُكم فيما فوقه. ومعلوم أن التباهي في البناء مظنةُ الحقد والضغينة والحسد وينبغي على الإنسان أن يتلاشى مثل هذه الأمور وأن يتواضع في كل شيء حتى في البناء، ولا يقول قائل أن ما يَحسُن دفع الحسد به مذموم الحث عليه. فلماذا الحيدة؟
هذا خاصة وقد ورد في البناء ما هو أعظم من هذا فعند الترمذي بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ? قَالَ مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ? وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ مَا هَذَا فَقُلْنَا قَدْ وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ قَالَ مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه العلامة الألباني عند أبي داود والترمذي وابن ماجة وهو في صحيح الجامع، وصحح إسناده شعيب الأناؤوط عند ابن حبان. ومعلوم أن الحديث صريح قاطع الدلالة في التزهيد في البناء، ولا يقال أبدا أن ابن عمر كان سيء النية عندما أراد أن يصلح الخص، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم غاب عنه"أن إصلاح النية في هذا الأمر لا يضر"سبحانك هذا بهتان عظيم.
وجاء عند أحمد بإسناد صحيح عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ? أَنَّ النَّبِيَّ ? قَالَ اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ الْمَوْتُ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ، وصححه العلامة الألباني في الجامع وجود إسناده شعيب الأرناؤوط في المسند. وهذا الحديث يدل قطعا على أن قلة المال ممدوحة ومذموم أن يبغضها الإنسان لأنها مظنة السلامة من طول الحساب، فجاء القوم - وهم من أهل العلم غير أنه لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم - ليمدحوا من طلب الدنيا وطلب كثرة المال يبتغي بهذا رفعة الدين وضربوا صفحا على تزهيد الناس في الدنيا وحثهم على الإقلال من جمع المال فيها لينجوا من طول الحساب، أفلا نبين القول السديد الصحيح في الأمر؟
لهذا فإنما يؤتى المسلمون من قبل تطلعهم إلى ما يستحب تركه والتنفير عنه والتزهيد فيه، لأن المجتمع يستقيم فعلا إذا ترفع من زاد عليه المال عن مثل هذا الذي نذكره وعن شبيهه في أمور الحياة، وأحاطت القناعة بالمرء، وكف عن النظر إلى غيره من أصحاب الترف المذموم نجا بهذا ونجا به المجتمع، وإذا ما تمادينا في ذلك، ولم يرع بعضنا بعض في ذلك وكففنا عن التنبيه عليه هلكنا وهلك المجتمع ..
وما انتشر الربا والنهب وأكل المال الحرام وانتشرت الرشوة والسرقة والمداهنة إلا بسبب الطمع في الدنيا واللهث ورائها كلهث الكلاب، فالعودة يا مسلمين، الرجوع إلى ما كان عليه خير المرسلين قدر الاستطاعة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وليكن الأصل عندنا هو الأصل عندهم، والزهد عندنا كما كان الزهد عندهم. ألا لا يوجد زاهد يرغب الناس في متاع الدنيا ويحثهم على رفع مستوى معيشتهم فيها، ألا ساء من يفهم هذا؟
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم