وجملة القول أن قولي: إنه مقصر في الرواية والحفظ والجرح والتعديل كغيره لا يقتضي عدم علمهم بهذه الثلاثة مطلقًا، وأن عدم العلم لا يدل على جهلهم بالسنة نفسها، فكيف أباحت له ديانته التعبير بذلك ونقله عني؟
(الفِرْيَتَان الثانية والثالثة) نقله عني أنني قلت: (إنه كان يجمع الصلوات) هكذا بالجمع والإطلاق وهو كذب مفترًى، وهذا نص عبارتي بحروفها:
(وإنني على إعجابي بقوة تدينه، وحسن تعبده، ومحافظته على تهجده، صرحت بأنه كان يجمع بين الصلاتين في الحضر أحيانًا ترخصًا اجتهاديًّا خالف فيه المذاهب الأربعة، ولكنه وافق حديثًا صحيحًا أخذ به غيرهم من الأئمة) . فزَعْمه أنني قلت: إنه كان (يجمع الصلوات) بهذا الإطلاق يتضمن فريتين (أولاهما) دلالة اللفظ على أنه كان يجمع الخمس كلها، وأنا لم أقلها، وإنما قلت:
(بين الصلاتين) والعامي يعلم الفرق بين الصلاتين والصلوات كلها، وكل متفقه في دينه يعلم أن الجمع بين الصلاتين كالظهر مع العصر والمغرب مع العشاء مشروع دون جمع الصلوات كلها. (الثانية) دلالة الإطلاق على أنه كان يفعل ذلك دائمًا، وأنا لم أطلقه في الصلاتين كما أطلقه هو في الجمع، بل قلت: إن الأستاذ قد يفعله أحيانًا أخذًا بحديث صحيح في الجمع بينهما أعني في الحضر.
وأقول هنا: إن هذا الحديث الذي أشرت إليه قد رواه الإمام مالك في الموطأ والإمام الشافعي في سننه، ومسلم في صحيحه، وأصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما حاصله أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر والعصر جميعًا ثمانيًا والمغرب والعشاء جميعًا سبعًا من غير خوف ولا سفر ولا مطر (لئلا يحرج أمته) .
(الفرية الرابعة) قوله: إن معنى عبارتي عند كثير ممن يقرؤها (أن الشيخ عبده كان لا يصلي) بهذا الإطلاق، وقد رأيتم أن عبارتي صريحة في الإعجاب بقوة تدينه، وحسن تعبده، ومحافظته على تهجده، فهل يكون المتصف بهذه الصفات - ومنها المحافظة على التهجد بالصلوات في جنح الظلام - تاركًا للصلوات الخمس المفروضة على الإطلاق؟ كلا إن المفتري نفسه -على سوء فهمه وسوء نيته- لا يفهم هذا من العبارة، ويعلم أنه لا يوجد عاميٌّ يفهمه منها فضلًا عن خاصيٍّ، ولهذا حرَّفها بما تقدم فكيف أباح علمه ودينه وأمانته ذلك؟
(الفرية الخامسة) زعمه أنني قلت: (إن الأستاذ الإمام كان ينقم على الشيخ أحمد الرفاعي عدم الأخذ من الكتاب والسنة) وأنا لم أقل هذا، وإنما نشرت في السنة الأولى من المنار الذي صدر في شعبان 1316 (محاورة في إصلاح التعليم في الأزهر أنكر فيها الأستاذ الإمام على الشيخ أحمد الرفاعي قوله عن علم الحديث: لا حاجة إليه في هذه العصور ألبتة، وقوله في تعليله إنه:(لا يجوز لمسلم أن يأخذ بالحديث بل الواجب الأخذ بكلام الفقهاء، ومن ترك كلام فقهاء مذهبه للأخذ بحديث مخالف له فهو زنديق) . قلت: (فتعجب الأستاذ وقال: أنا أرى أن الذي يترك كلام صاحب الشريعة المعصوم الذي يعتقد صحته وأنه قاله، ويأخذ بكلام فقيه يجوز عليه ترك الحق عمدًا وخطأ هو الزنديق) .
(فقال الشيخ صاحب الكلمة(أي الرفاعي) يجوز أن يكون الحديث الذي يأخذ به ضعيفًا أو موضوعًا) فأجابه الأستاذ (إن كلامنا في حديث يُعْتَقَدُ أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولا أقدر أن أفهم معنى إسلام رجل ينبذ ما يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لقول أيِّ إنسان من الأناسي) . فعلم من هذا أنني لم أقل: إن الأستاذ الإمام نقم من الشيخ أحمد الرفاعي عدم
الأخذ من الكتاب والسنة أي الذي هو شأن المجتهد، فالأستاذ الإمام كان يعلم أن الرفاعي هذا لم يكن مجتهدًا ولا ممن يبيح الاجتهاد، وسأذكر الفرق بين ما قلته وما افتراه هذا المدعي للعلم عليَّ، ولو كان رواة الكتاب والسنة كلهم مثله لضاع الإسلام كله، ولم يثق أحد منه بشيء، ولكان المسلمون في دينهم كالذين من قبلهم في تحريف بعض كتبهم وإضاعة بعض.
(يُتْبَعُ)