5 -ومن هذه الإثارة إلى إثارة أخرى، وهي شهوة التشفي في الآخرين، وهي آفة تصيب كثيرًا من الناس فلا يكاد يلتقي منهم اثنان إلا ويبحثان عن عدو مشترك يجتمعان على افتراسه، ونتيجة لهذا تنتشر مجالس الغيبة، ولكن يزداد الأمر إثارة إذا كان الجمع كبيرًا وكان المتحدث بليغًا، وكلما كان الشخص موضوع الجلسة مستأهلًا لما يقال فيه وأكثر، ونحن لا نعني بذلك عدم تنبيه الأمة إلى مظاهر أعداء دينها لها حتى لا تنخدع بدعاوى السلام وزمالة الأديان، ولكن الأمر يتجاوز ذلك غالبًا إلى نوع من تبرئة المتكلم والمستمعين معه من أية مسئولية مع أن الله تعالى يقول: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران: 120) ، وهذه التي لا يحب المستمعون أن يعرج الخطيب عليها مع أنها هي التي يجب أن تأخذ النصيب الأوفر، ثم أن الأمر يجر إلى تتبع أخبار الساسة والفنانين ولاعبي الكرة مما يستوي في علمها الداعي والمدعو وربما فاق فيها المدعو الداعيَ بمراحل، ولكنه يريد أن يسمعها في قالبها الخطابي الرنان طالما وجد الداعي الذي يلبي طلب المستمعين.
6 -ولا يمكننا أن نترك أصحاب اتجاه"ما يطلبه المستمعون"دون أن نعرج على مسألة الفكاهات والطرائف التي اعتاد بعض الإخوة الأفاضل إطلاقها في أثناء حفلات الأفراح وأشباهها، فقد كانت في أول أمرها فقرات قصيرة لمواقف طريفة صادقة من كتب الأدب أو التاريخ أو من الواقع، ثم كان التنازل عن شرط صدقها، والأخطر من هذا التنازل عن شرط عدم مخالفتها للشرع، فكثير من هذه الطرائف فيها على سبيل المثال أن أحد الحمقى فهم آية كذا خطأ وهذا مما لا ينبغي أن ينتشر على وجه التندر حيث يبقى في مخيلة السامع ارتباط هذه الآية بهذه الطرفة، وفيه تجرئة للناس على اختلاق مثل هذه الطرائف، بل إن ما يحكى من طرائف عن النحويين يصب هو الآخر في خانة الأعداء الذين يريدون أن ينفِّروا الناس عن لغة العرب لكي يبعدوهم عن الإسلام.
وبعد هذه الجولة في أنواع الموضوعات التي يطلبها المستمعون والتي تجد من يستجيب لها من الدعاة، نشير إلى أن المستمعين قد يطلبون السجع المتكلف في بعض الأحيان فيتبارى بعض الخطباء في إنشاء أطول فقرة مسجوعة وهذا مما يجبر المتكلم على التكرار غير المفيد، وربما أوقعه في بعض المعاني غير السليمة ثم أن السامع يظل كاتمًا أنفاسه وهو يتابع الجمل المسجوعة المتتالية دون أن يجد أي فرصة لكي يأخذ أي شيء من معانيها، ويقارب ذلك الأشعارُ الكثيرة المليئة بالألفاظ الغريبة فتكون عالة على الفكرة لا خادمة لها، وتساعد على تشتت ذهن السامع تشتتًا كبيرًا ومن ذلك الكلام بالعامية لاسيما على المنبر بدعوى أن الناس لا يفهمون العربية، بينما يوجد كثير من الألفاظ الفصيحة التي يفهم العامة معناها، ويوجد كثير من الحيل التي تجعل الخطيب يوصل المعنى للسامع العامي وإن لم يكن قد علم معنى كل كلمة من مفردات كلامه.
وهذه المعاني قد أشار إليها كثير من دعاة الدعوة السلفية -بفضل الله تعالى- فنبهوا خطباءهم على ألا يستجيبوا لضغوط الجمهور وأن يحرصوا على تقديم النافع الذي يرتقي بمستوى الفرد والأمة، وكالعادة حصل انحراف في التطبيق من بعض هؤلاء الخطباء فصار عند إعداده لخطبة وكأنه سوف يحدث نفسه، فعلى مستوى الموضوع تجد عنده قائمة أولويات لا تتغير زمانًا ومكانًا، وطريقة العرض طريقة واحدة هي التي دَرَسَ بها الموضوع ولو كان قد درس هذا الموضوع في عدة مرات وببناء جزل، فهو لا يفكر في عرض الموضوع إلا بهذه الطريقة، وعلى مستوى الأسلوب تجده يرى أن استخدام الشعر منقصة والجناس عيب إلى آخر هذه الصور المعروفة وإن كان هذا النموذج آخذ في التناقص لصالح النموذج الآخر، ولأن التوسط في ذلك هو الأفضل والأولى فإليك أخي الكريم بعض النصائح التي تعين على الاقتراب من هذا النمط الوسطي، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل شخص بصمته الشخصية التي تختلف عن الآخر.
1 -يجب على الداعي أن تكون له رؤية شاملة عن دين الله عز وجل تضم العقائد والعبادات والأخلاق والآداب والمعاملات، وهذه الرؤية يجب أن يحصلها من خلال دراسة منهجية تضمن عدم الشطط والانحراف في فهم أي جانب من جوانب الإسلام.
(يُتْبَعُ)