فهرس الكتاب

الصفحة 4283 من 20085

يقول الإمام العلاّمة ابن القيّم رحمه الله:"صِحّة الفَهم وحُسنُ القصد من أعظم نِعم الله التي أنعم بها على عبدِه، بل ما أعطِيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامُه عليهما، وبهما يأمن العبدُ طريقَ المغضوب عليهم الذين فسَد قصدُهم وطريقَ الضّالين الذين فسدت فهومُهم، ويصير من المنعَم عليهم الذين حسُنت أفهامهم وقصودُهم، وهم أهلُ الصراط المستقيم الذين أمِرنا أن نسأل اللهَ أن يهديَنا صراطَهم في كلِّ صلاة. وصحَّةُ الفهم نورٌ يقذِفه الله في قلبِ العبد، يميّز به بين الصحيحِ والفاسد والحقِّ والباطل والهدى والضّلال والغيِّ والرشاد"، ثمّ قال رحمه الله:"ولا يتمكَّن المفتِي ولا الحاكمُ من الفتوى والحكمِ بالحقّ إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهمُ الواقع والفِقه فيه، والثاني: فهمُ الواجب في الواقع، وهو فهمُ حكم الله الذي حكَم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقعِ، ثمّ يطبِّق أحدَهما على الآخر"، إلى أن قال رحمه الله:"ومَن تأمَّل الشريعةَ وقضايا الصحابةِ وجدها طافحةً بهذا، ومَن سلك غيرَ هذا أضاع على الناس حقوقَهم، ونسبَه إلى الشريعةِ التي بعَث الله بها رسولَه"انتهى كلامُه رحمه الله [7] .

إخوةَ العقيدة، المستقرئ لحوادثِ التأريخ يجِد أنّ إساءةَ المفاهيم وراءَ كلِّ مِحنة بُليت بها هذه الأمّة، بل البشريّة قاطبة، وهل أُبلِسَ إبلِيس وقُتل هابيل وافترَق أهلُ الكتابَين وافترقَت هذه الأمّة وأريقَت دماء المسلمين وتسلّط عليهم أعداؤهم إلاّ بسببها؟! وما الذي سفَك دمَ عثمان وعليٍّ والحسين وابنِ الزبير وابن جُبير وغيرِهم من سادات الأمّة إلا ذلك؟! وما الذي أريقَت عليه الدّماء في فتنةِ أبي مسلم؟! وما الذي جرَّد الإمام أحمدَ بين العِقابين وضربِ السّياط حتى عجَّت الخليقةُ إلى ربِّها وخلَّد خلقًا في السّجون وسلَّط سيوفَ التتار على ديار الإسلام ومهَّد لطوائفِ الإلحاد والزندقة والنفاق والخوارج والفرق الضّالة إلا سوءُ المفاهيم؟!

ولهم نصوصٌ قصَّروا في فهمِها فأُتوا من التقصير في العرفان [8]

أمّة الإسلام، وما أشبهَ الليلةَ بالبارحة، فها هي الصِّراعات العالمية والتحدياتُ الدولية تنطلق من سوء المفاهيم، وهل مَوجات الغزو الفكريِّ والعقديِّ والأخلاقيِّ والإعلاميِّ المعاصر إلا حربُ مفاهيم؟! وهل فَرض أنماطٍ ثقافيّة وفكريّة وإملاءُ اتجاهاتٍ إصلاحيّة معيّنة باسم العولمة والانفتاحِ والحريّة إلا معركةُ مفاهيم؟! وهل كيل التُّهم على الأمّة الإسلامية بدعوى الإرهاب وعدم مراعاة حقوق الإنسان ومصادرة الحريّات وإقصاء مناهج الحقّ والعدلِ والسلام والنيل من القيم والمثُل النبيلة والكيلُ في القضايا الإسلاميّة بمكيالين إلاّ صراعُ مفاهيم؟!

وإن تعجبوا ـ يا رعاكم الله ـ فعجبٌ تحويل المفاهيم الخاطئة بفِعل الإعلام الموجَّه المضادّ إلى حقائقَ مسلَّمةٍ عند كثيرٍ من المتلَّقين، فمفهومُ الإرهاب مثلًا لا يكون محارَبًا إلا إذا كان خطأً من بعض أهل الإسلام، لكن سَحق المقدَّرات والعبَث بالمقدَّسات بحربِ المجازر والمجنزرات من العدوِّ الصهيونيّ الغاشِم ضدَّ إخواننا في فلسطين لا يُعدّ ذلك إرهابًا بإفكِهم، بينما الدّفاع عن الحقوق المشروعة في الأرض والحفاظ على الدين والعِرض يعدّ إرهابًا بزعمِهم!! فليسَ بعد هذا تلاعبٌ بالمفاهيم. وإذا كان هذا غيرَ مستغرَب مع الخصم في عصرٍ بُحّت فيه بعضُ حناجر المنهزمِين فكريًّا من بين جِلدتنا أمام ما يسمَّى بـ"الآخر"فإنّ صدورَ آثار المفاهيم في الاختلاف بين أهل الإسلام وتحويلها إلى صراعات دموية لأمرٌ يبعث على الغرابَة.

ولقد تابع الغيورون ما جَرى ويجرِي على أرضِ العِراق من نزيفِ الدمِ المهراق ممّا يبعث على الإدانة والاستنكار، ويتيح الفرصةَ للعدوّ المتربِّص بخيراتِ العراق ومقدَّراته، ولذا فالدعوةُ موجّهة بإشفاقٍ لإخواننا في بلاد الرافدين لإلقاءِ السلاح فيما بينهم، وحقنِ دماء المسلمين، ووقفِ شلاّلات الدماء البريئة، والمحافظة على وحدة الشعب العراقيّ المسلم ومصالحه الشرعية، والاجتماع على مفاهيم الكتابِ والسنّة الغرّاء ونبذ ما يخالفها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت